وصفة مجانية لمواجهة أخطار الجلوس الطويل واستعادة النشاط والتركيز

الجلوس لساعات طويلة أمام أجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية
الجلوس لساعات طويلة أمام أجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية


في عصر أصبحت فيه الشاشات جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية، يحذر خبراء الصحة من أن الجلوس لساعات طويلة أمام أجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية قد يترك آثارًا خطيرة على الجسم والعقل. 

وتكشف دراسات حديثة أن الحل لا يتطلب أجهزة متطورة أو اشتراكات باهظة، بل يكمن في عادة بسيطة تتمثل في الحركة لبضع دقائق على مدار اليوم، وهي خطوة قد تعزز الصحة العامة وتحسن المزاج وترفع مستويات الإنتاجية.

بسبب كثرة الجلوس على المكتب.. تمارين مهمة لتجنب الإصابة بـ«الانزلاق الغضروفي»

سلطت كارا ألايمو، أستاذة الاتصال بجامعة فيرلي ديكنسون ومستشارة الأسر والطلاب والمعلمين في إدارة وقت استخدام الشاشات، الضوء على التأثيرات المتزايدة للعالم الرقمي على الصحة النفسية والجسدية، وكانت قد تناولت هذه القضايا في كتابها الصادر عام 2024 بعنوان "Over the Influence: Why Social Media Is Toxic for Women and Girls  And How We Can Take It Back".

وفي السياق ذاته، حذرت الصحفية الأمريكية مانوش زوموروودي، المذيعة في الإذاعة الوطنية العامة (NPR) والمقيمة في نيويورك، في كتابها الجديد "Body Electric: The Hidden Health Costs of the Digital Age and New Science to Reclaim Your Well-Being"، من مخاطر الجلوس لفترات طويلة سواء أمام المكتب أو أثناء تصفح الهواتف الذكية، مؤكدة أن أضرار هذا النمط من الحياة أكبر بكثير مما يتوقعه كثيرون.

وأوضحت زوموروودي أن هناك ثلاثة أسباب رئيسية تجعل الجلوس الطويل ضارًا بالصحة، أولها أن عضلات الساق تحتاج إلى الحركة والتحفيز باستمرار حتى تتمكن من امتصاص الغلوكوز والدهون من مجرى الدم والمساعدة في إيصال الأكسجين إلى الدماغ، مشيرة إلى أن الوقوف وحده لا يحقق الفائدة المطلوبة.

أما السبب الثاني فيتعلق بالتنفس، إذ يؤدي الجلوس لفترات طويلة إلى الضغط على الحجاب الحاجز، ما يحد من القدرة على أخذ أنفاس عميقة ومريحة.

ويتمثل السبب الثالث فيما يُعرف بالإدراك الداخلي للجسم (Interoception)، أي قدرة الجسم على إرسال إشارات إلى الدماغ حول احتياجاته المختلفة، وعندما ينشغل الإنسان بالشاشات لفترات طويلة، يصبح تركيزه منصبًا على العالم الخارجي، متجاهلًا الإشارات التي يرسلها جسده، مثل الحاجة إلى الراحة أو الحركة.

الحل في خمس دقائق فقط

وفي محاولة لاختبار تأثير الحركة المنتظمة، تعاونت إذاعة NPR مع عالم الفسيولوجيا كيث دياز من المركز الطبي بجامعة كولومبيا، حيث طُلب من المشاركين الالتزام بالحركة لمدة خمس دقائق كل نصف ساعة أو كل ساعة أو كل ساعتين على مدار أسبوعين.

وشملت الأنشطة المقترحة أشكالًا بسيطة من الحركة اليومية، مثل المشي أثناء المكالمات الهاتفية، أو التجول داخل المنزل، أو ترتيب الأغراض المنزلية، أو حتى تحريك الذراعين في حال تعذر المشي.

ولاقى البرنامج إقبالًا واسعًا، إذ تجاوز عدد المشاركين 23 ألف شخص، ما اضطر القائمين عليه إلى إغلاق باب التسجيل.

 وأظهرت النتائج أن 80% من المشاركين التزموا بخطط الحركة المنتظمة، فيما أكد 82% منهم أنهم استمتعوا بهذه الفترات القصيرة من النشاط.

كما سجلت الدراسة انخفاضًا في مستويات الإرهاق بنسبة وصلت إلى 28%، إلى جانب تحسن ملحوظ في التركيز والطاقة والمزاج العام. 

وأفاد كثير من المشاركين بأنهم تخلصوا من الشعور بالضباب الذهني واستعادوا قدرتهم على إنجاز المهام بكفاءة أكبر.

- الرياضة وحدها لا تكفي

وأكدت زوموروودي أن ممارسة التمارين الرياضية صباحًا تظل ضرورية للحفاظ على اللياقة البدنية وصحة القلب والعضلات، لكنها لا تلغي تمامًا التأثيرات السلبية للجلوس المستمر بقية ساعات اليوم.

وشبهت الأمر بخرطوم المياه الذي يتعرض للانثناء، حيث يتراكم الضغط في نقاط محددة ويعيق تدفق المياه بشكل طبيعي. وبالمثل، يؤدي الجلوس الطويل إلى زيادة الضغط على منطقة الجذع والركبتين، ما يقلل من نشاط العضلات وكفاءتها.

وأشارت إلى أن جسم الإنسان تطور بيولوجيًا ليعتمد على الحركة المستمرة من أجل البقاء، إلا أن التطورات التكنولوجية الحديثة قللت الحاجة إلى الحركة بشكل غير مسبوق، وهو ما خلق فجوة بين متطلبات أجسامنا وطبيعة حياتنا الحالية.

- زيادة الإنتاجية وتحسين جودة العمل

ورغم اعتقاد كثيرين أن فترات الاستراحة المتكررة قد تؤثر سلبًا على الإنجاز، أظهرت نتائج الدراسة عكس ذلك، فقد ارتفعت الإنتاجية بنسبة 4%، كما أكد المشاركون أن جودة أعمالهم أصبحت أفضل بصورة واضحة.

وأوضح المشاركون أنهم كانوا يعودون إلى مكاتبهم بعد دقائق الحركة القصيرة وهم أكثر انتعاشًا وقدرة على التركيز، كما استغل البعض تلك الفترات لإعادة ترتيب أولوياتهم والتفكير في المهام المقبلة، الأمر الذي انعكس إيجابًا على أدائهم المهني.

ومن بين الحلول العملية التي طبقها المشاركون تقليص مدة الاجتماعات من 60 دقيقة إلى 55 دقيقة، وإطفاء الكاميرات خلال الاجتماعات الافتراضية لإتاحة الفرصة للحركة أثناء المناقشات.

- استعادة التواصل مع إشارات الجسم

كما تناولت زوموروودي تأثير الاستخدام المكثف للتكنولوجيا على قدرة الإنسان على الإنصات إلى احتياجات جسده، مشيرة إلى أن التدفق المستمر للمعلومات والأخبار والإشعارات يرهق الدماغ ويشتت الانتباه.

وفي هذا الإطار، نقلت عن الباحث وعالم الأعصاب والطبيب النفسي ساهيب خالسا من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس أهمية منح الجسم ما وصفه بـ"الاستراحة الحسية"، وذلك من خلال تخصيص فترة زمنية للهدوء التام بعيدًا عن الشاشات والموسيقى والمؤثرات الخارجية.

وأظهرت الدراسة أن المشاركين احتاجوا في البداية إلى ضبط منبهات لتذكيرهم بالحركة، لكن مع مرور الوقت استعاد كثير منهم إحساسهم الطبيعي بالحاجة إلى النهوض والتحرك، حتى أصبح هذا الشعور هو الذي يقود سلوكهم اليومي دون الحاجة إلى تذكيرات خارجية.

وتخلص زوموروودي إلى أن إعادة بناء الحوار بين الدماغ والجسد لا تتطلب أدوات أو تقنيات جديدة، بل تحتاج فقط إلى منح الجسم فرصة للتعبير عن احتياجاته والاستجابة لها، مؤكدة أن دقائق قليلة من الحركة المنتظمة قد تكون أحد أبسط وأهم الاستثمارات اليومية في الصحة الجسدية والنفسية.