قضية ورأى

قراءة تسويقية وسلوكية فى نظام الطيبات

أ.د. خالد قدرى السيد
أ.د. خالد قدرى السيد


هل هذا النظام صحيح طبيا أم لا، بل كيف ينجح خطاب غير مثبت فى بناء ثقة لدى بعض الناس؟

فى دراسة شهيرة لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT نشرت فى مجلة Science عام 2018 تبين أن الأخبار الزائفة على مواقع التواصل الاجتماعى تنتشر أسرع وأوسع من الأخبار الصحيحة. حيث وجدت الدراسة أن الخبر الزائف يصل إلى 1500 شخص أسرع بنحو ست مرات من الخبر الصحيح. فالمعلومة التى تثير الدهشة أو الخوف أو تمنح صاحبها إحساسًا بأنه اكتشف «حقيقة خفية» تكون أكثر قابلية للمشاركة من الكلام الهادئ المتزن.

ومن ثم فإن انتشار الخطاب غير المثبت لا يرتبط بالمحتوى وحده بل يرتبط أيضا بمن يقوله وكيف يقوله. فحين تأتى الفكرة من شخص قد يراه البعض صاحب خبرة أو حضور أو جرأة تصبح أكثر قابلية للتصديق. هذا التصور يمكن فهمه من خلال ما يعرف فى أدبيات علم الإدارة بتأثير سلطة الخبرة والسلطة المرجعية. أى أن الناس قد يثقون فى شخص لأنه يبدو عارفًا أو لأنهم يشعرون بالقرب منه والإعجاب به. وبالتالى عندما تجتمع الثقة فى الشخص مع خطاب حاسم قد تصبح الشخصية نفسها هى الدليل فى نظر بعض المتابعين.

من هنا يمكن أن نقرأ الجدل الذى صاحب ما عرف باسم «نظام الطيبات» لا باعتباره مسألة طبية فقط ولا باعتباره حالة منفصلة، بل باعتباره مدخلا لفهم ظاهرة أوسع تتعلق بكيفية بيع اليقين الزائف، وكيف تتحول الشهرة إلى ثقة، والرأى الشخصى إلى ما يشبه البرهان.

وقد أثار نظام الطيبات خلال الفترة الأخيرة نقاشات متعددة من زوايا طبية وإعلامية واجتماعية. غير أن هذه المقالة لا تحاول تقييم نظام غذائى من زاوية علم التغذية أو العلاج، لأن هذا أمر يخص أهل الاختصاص الطبى والبحث الإكلينيكى. لكنها محاولة لفهم كيف تتحول الفكرة إلى منتج نفسى وتسويقى، وكيف تُبنى الثقة حول الشخص والخطاب والمنصة من منظور الإدارة والتسويق وسلوك المستهلك وعلم النفس الاجتماعى. لذلك فالسؤال هنا هل هذا النظام صحيح طبيا أم لا، بل كيف ينجح خطاب غير مثبت فى بناء ثقة لدى بعض الناس؟ وكيف يتحول رأى شخصى إلى ما يشبه الدليل؟ وكيف يصبح الشخص لا البرهان مصدر القناعة لدى البعض؟

واللافت أن آليات بناء الثقة حول الوعد الصحى أو التقنى لا تظهر فى بيئة واحدة فقط، بل يمكن ملاحظتها فى تجارب مختلفة حول العالم، مع اختلاف الوقائع والسياقات والمسؤوليات القانونية. ففى أستراليا أسست بيل جيبسون Belle Gibson شهرتها على قصة صحية مؤثرة حول المرض والغذاء والشفاء، ثم تحولت القصة إلى تطبيق وكتاب ومتابعين قبل أن يتبين أنها لم تكن مصابة بالسرطان كما ادعت، وتصدر ضدها غرامة قضائية عام 2017 بسبب سلوك مضلل وخادع. وفى الولايات المتحدة قدمت شركة ثيرانوس Theranos نفسها بوصفها ثورة فى تكنولوجيا التحاليل الطبية، وجذبت استثمارات وإعلاما واسعا قبل أن تنتهى القضية إلى إدانتها فى قضايا مرتبطة بالمستثمرين.

ولا تستخدم هذه الأمثلة للمساواة بين الحالات أو إصدار حكم على الحالة المحلية، بل لتوضيح أن آليات بناء الثقة حول الوعد الصحى أو التقنى قد تتكرر فى بيئات مختلفة بدرجات ومستويات متباينة. وتتشابه هذه الآليات غالبا فى وجود قصة مؤثرة، ووعد كبير، وثقة تُبنى حول شخص أو فكرة، وجمهور يبحث عن إجابة مطمئنة وسط واقع معقد.

ومن هنا تأتى أهمية قراءة «نظام الطيبات وما على شاكلته» لا من باب إصدار حكم طبى من خارج التخصص ولا من باب الهجوم على أشخاص، بل من باب فهم كيف تكتسب بعض الأفكار حضورها وتأثيرها حتى عندما يكون البرهان حولها موضع نقاش أو خلاف.

لماذا تبدو الإجابة السهلة مقنعة؟

الخطاب المؤثر لا يقدم نفسه غالبا كادعاء قابل للنقاش، بل يظهر فى صورة حقيقة غائبة أو سر مهمل أو حل بسيط لمشكلة معقدة. وهنا تكمن قوته، لأنه لا يبيع معلومة فقط بل يبيع شعورا باليقين، على عكس الحقيقة العلمية التى هى بطبيعتها حذرة ومشروطة وتتكلم بلغة الاحتمالات والفروق بين الحالات. أما الخطاب القاطع فيتكلم بلغة سهلة وحاسمة مثل هذا نافع وهذا ضار، هذا طيب وهذا خبيث، هذا هو الطريق الصحيح وما عداه خطأ أو تضليل.

وعلى الرغم من أن هذه الثنائيات قد تكون مريحة نفسيا للبعض، فإن خطرها المعرفى كبير لأنها تمنح متلقى الرسالة شعورا بالوضوح، لكنها قد تضعف قدرته على السؤال والمراجعة. وتزداد جاذبية هذا الخطاب أيضا عندما يمنح المتابع تبريرا لما كان يتمنى أن يكون صحيحا. فحين يأتى الخطاب ويعيد ترتيب قائمة المسموح والممنوع، فيجعل بعض ما كان الشخص يتجنبه أو يشعر بالذنب تجاهه مسموحا، ويجعل بعض ما كان يظنه صحيا موضع شك واتهام، فإن الأمر لا يصبح مجرد اختيار غذائى، بل يظهر هنا ما يعرف باسم التفكير المدفوع بالرغبة.

هذا النوع من التفكير يجعل الإنسان يميل أحيانا إلى قبول الفكرة التى توافق رغبته أو تخفف عنه التوتر النفسى قبل اختبارها بالقدر الكافى من الدليل والبرهان العلمى. وللحديث بقية.

أستاذ إدارة الأعمال وعميد تجارة عين شمس السابق