عندما ظهرت منصات التواصل الاجتماعي الشهيرة في أوائل الألفينات، أكتسبت شهرتها باعتبارها منصات للحرية والتعبير عن الرأي وتعدد الآراء بما يضمن نقاشات مجتمعية مثمرة لقضايا تهم الجمهور.
ومع الوقت تحولت منصات السوشيال ميديا من مساحات للتواصل إلى بيئة متكاملة لصناعة المعرفة وتشكيل الوعي والرأي العام.
لكن هذا التحول لم يكن محايدا، بل كان محفوفا بالكثير من المخاطر والظواهر السلبية التي يتحمل مسئوليتها من يديرون هذه المنصات و المستخدمين وصناع المحتوى على حد سواء. فقد أعادت السوشيال ميديا تشكيل سلوك الجمهور في تلقي المعلومة وأثرت في علاقتنا بالآخر مثلما أعادت تشكيل لغة التواصل نفسها بل شككت في الحقائق والمسلمات.
وأصبح التساؤل الآن : كيف نرى المحتوى المقدم على السوشيال ميديا؟ وعلى أي أساس نصدق ونتبنى آراء بعينها؟
للأجابة على هذه الأسئلة، لنتشارك معا خصائص ما نراه الآن من محتوى رقمي على كل المنصات.
أولا : سلوك التصفح السريع وصناعة الوعي المنقوص
أحد أبرز التحولات في السلوك الرقمي للجمهور الآن هو الاعتماد على التصفح السريع بدلا من القراءة المتأنية. فالمستخدم يتعرض يوميا لعدد كبير من المنشورات ومقاطع الفيديو القصيرة مما يؤدي إلى تكوين انطباعات سريعة يخزنها العقل البشري على أنها معرفة مكتملة.
هذا النمط من الاستهلاك المعرفي لا ينتج فهما عميقا كما كانت تفعل الصحافة ووسائل الإعلام التقليدية التي كانت تقدم الموضوعات بصورة معمقة ، وبدلا من أن نعزز المعرفة أصبحنا نعزز الانطباعات المبنية على قشور من المعلومات.
ثانيا : سطحية المحتوى
في محاولة لجذب الانتباه تم اختزال القضايا المعقدة في صيغة مبسطة وسريعة فأصبح لدينا معرفة مختزلة فقدت الكثير من قيمتها لأنها منقوصة. وهنا غاب عنا الفهم الحقيقي لأبعاد أية قضية. ولم يعد المحتوى يهدف إلى التحليل والتفسير بل إلى الانتشار على حساب عمق المعالجة وقيمة المادة المقدمة ودقتها. والمنصات تتقاسم المسئولية مع صناع المحتوى في ذلك فهي من تدفع صناع المحتوى نحو شكل محتوى بعينه دون الآخر.
ثالثا: عصر الجائحة المعلوماتية
عندما غاب الفهم ، غابت الحقيقة، وانتشر التضليل , وانتشرت المعلومات المغلوطة بشكل يشبه الفيروس المعدي . وأصبح لدينا وباء وجائحة معلوماتية تحتاج لمواجهة. بعد أن حولت اللايكات والمشاركات المحتويات المضللة إلى محتويات منتشرة و (تريندي) ويجب أن نصدقها. مما عزز من ثقافة التضليل بدلا من مواجهتها والقضاء عليها.
رابعا : الاختلاف لا يعني الإساءة
تحولت المنصات التي روجت لنفسها من البداية أنها ساحات لحرية التعبير وتبادل الآراء إلى ساحات للإساءات الشخصية ، وبدلا من نقاش الأفكار المطروحة يتم الإساءة لشخص من يتحدث. ولم تعد هناك أفكارا تناقش ، فنحن لا نناقش محتوى بل يتم الانتقال سريعا لوضعية تقييم المتحدث والتشكيك في خلفيته والتقليل من خبرته ثم الإساءة له واتهامه بالجهل في نهاية المطاف. وهذا يكشف وجود أزمة حقيقية في ثقافة الحوار التي تتفاقم كل يوم حتى خلقت عداوات رقمية وليس مساحات نقاش مثمرة لأي موضوع.
وهذا يدفعنا لدراسة متعمقة لجانب آخر وهو معرفة الأثر النفسي الذي يدفع الناس في اتجاه الإساءة وجزء منه مبني على القلق الذي أصبحنا نخلقه دون أن نشعر و المقارنات غير العادلة التي أصبحت سائدة من عدم التحقق أمام شخص آخر نراه أكثر نجاحا دون وعي بخلفيات ما نشاهد.
خامسا : تلاشت الأصول والحدود
من الظواهر اللافتة المساحات العشوائية التي خلقتها منصات السوشيال ميديا التي جعلت كثير من الأشخاص يخلطون بين العام والخاص، بين ما هو مسموح به وما لا يصح ، فأصبحوا يتدخلون بالتعليق وإبداء الآراء في حياة الآخرين وكأنها مواد متاحة لتقيماتهم دون مراعاة لحدود الخصوصية أو السياق . وأصبحنا نجد أناسا لا نعرفها تدخل معنا في نقاشات تخلو من أي حدود للاحترام. بل ويرسلون رسائلهم في أي وقت وكأن الحدود في التعامل مرفوعة والألقاب مرفوعة .ومع الوقت خلق هذا سلوكا دائما يفتقر لأبسط قواعد الاحترام في التعامل بين الغرباء.
سادسا : الحدة والعداء
تحولنا من مناقشة الآراء إلى الحدة والانفعال والبحث خلف النوايا ، ومع الوقت، أصبح الأسلوب الجارح أو الساخر مقبولا في كثير من السياقات ، بل وسيلة رئيسية لإثبات الرأي أو فرضه .وهذا الانحدار في لغة الحوار يشير إلى تراجع في أخلاقيات النقاش العام.
سابعا: مستخدم كسول يبحث عن الإثارة
تحول المستخدم إلى شخص كسول يبحث عن الإثارة فيما يقدم بدلا من بحثه عن الحقيقة، وهذا
أحد أخطر أنماط السلوك الرقمي بعد أن تحول إلى الميل إلى تصديق الصور والفيديوهات والنصوص لمجرد تداولها أو انتشارها.
فما يبدو شائعا يعامل تلقائيا كأنه صحيح، دون تحقق أو مراجعة. وهذا ما جعل الوباء المعلوماتي ينتشر. نتيجة لكسل مستخدم فضل أن يسلم عقله للمنصات الرقمية كي تحدد له ما يشاهد وفقا لقائمة تفضيلاته فعززت لديه ثقافة استهلاك المحتوى والعيش داخل فقاعته الخاصة بدلا من البحث عن المعرفة الحقيقية. وهنا عليك أن تسأل نفسك : هل ترى العالم أم الجزء الذي أخترت أن تراه منه أو بمعنى أصح الجزء الذي أقتادتك الخوارزميات إليه كي تراه؟
وهذا سلوك عززته المنصات الرقمية التي أصبحت بدورها تكافيء البقاء الأطول على المنصة على حساب التدقيق فيما يقدم من معلومات. كما أنها تميل لتفضيل ما يثير الانفعال والفضول والجدل.
ثامنا : إعادة إنتاج الجهل
وبعد أن انتشرت المعلومات غير الدقيقة والآراء الشخصية المبنية على مغالطات ، غابت المعرفة والعلم و غاب الوعي بعد أن انتشرت الانطباعات بدلا من الحقائق ، والنتيجة لا يتحملها فرد، بل الوصف الدقيق أننا نواجه قنابل انشطارية تنفجر في وجوهنا كل يوم بعد أن أصبح لدينا ما يسمى بإعادة إنتاج جماعي للجهل لأننا فقدنا القدرة على التراجع والتفكير. السوشيال ميديا جعلتنا ( نقرأ – نغضب – نعلق - نشارك ) أم المعرفة الحقيقية تجعلنا ( نقرأ – نفكر- نراجع - نحكم ).
تاسعا : الاستهلاك السريع
نلاحظ أننا ننتقل من قضية إلى أخرى ومن منصة لأخرى بوتيرة سريعة مما يحدث ضجة بدلا من حالة حوار ونقاش حقيقي قد يصل إلى حلول. وعندما تصدر الضجيج المشهد ، انعدم الفهم الكامل لأي شيء قبل الاختفاء وظهور قضية جديدة ووقعنا هنا في شرك الاستهلاك السريع للقضايا الهامة.
عاشرا : لماذا أصبح الجميع خبراء؟
من البداية ونحن نتحدث عن المعرفة ولم نتحدث هنا عمن يملك المعرفة؟ نعم قللت السوشيال ميديا الحواجز أمام النشر والتعبير وهذا شيء في ظاهره إيجابي ولكنها جعلت الناس تخلط بين المعرفة المتخصصة والرأي ، فتحول الجميع إلى خبراء.
في النهاية علينا أن نعترف بأن السوشيال ميديا ليست خيرا مطلقا ننغمس فيه حتى نغرق ولا شرا في المطلق نتجنبه كي نعيش في سلام ، ولكن ما أتحدث عنه هنا هو ما أظهرته السوشيال ميديا من خلل في مجتمعنا في طريقة تعاملنا السلبي مع المعرفة والاختلاف مع الآخر. وتراجع لغة الحوار البناءة ، ليصبح التحدي الحقيقي ليس في كثرة ما نراه، بل في قدرتنا على التمييز والفهم قبل التفاعل. والأزمة هنا لم تكن أبدا في اختلاف الآراء بقدر ما هي أزمة سلوك ووعي رقمي غائب.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







