عمر حسانين يكتب: «العيد أجمل بين الجذور»

الكاتب الصحفي عمر حسانين
الكاتب الصحفي عمر حسانين


وتأخذنا «النداهة»، ويخطفنا بريق المدينة، ويسحرنا العَدْو خلف الآمال، لكنَّ «العيد» لا يكون عيدًا إلا هناك؛ في بلادنا المغروسة جذورنا في ترابها، كلما هلَّ هلاله، حزمنا متاعنا، وعُدنا إلى حيث تسكن النفس وتصفو ويرقص القلب ويهفو.
 
ونحن الريفيين، سكنتنا أحلام ٌمنذ عهد بعيد، حال الإهمال التنموي دون تحقيقها في بلادنا، رحلنا إلى «الساحرة»، وفيها بدأت رحلة العراك مع الحياة، الطريق قليلُه ممهد، ومعظمُه يفوق تكسير الصخور، ومهما اشتد النِّزال فلا نستسلم، نقف على ناصية الحلم ونقاتل حتى نصل إليه.
 
وحقيقة لا تتغير، وقناعة لا تتزحزح أن «الجذور» التي نحيا بها متمددة هناك، تضرب في التربة التي نبتنا منها؛ حيث ونس الأهل ودفء اللَّمة، نهرب إليها من الزحام والضجيج، نحج إلى نِجوعنا وكُفُورنا وقُرانا، نؤدي مناسكنا ونعود بعد شحن بطاريات النفوس بطَاقةٍ لا يدركها إلا مَن له بلد وأهل يحبونه من قلوبهم.


وتتبدل العناوين وتتغير البيانات، تحمل أوراقك الرسمية والثبوتية أسماء جديدة، تجد أن عنوانك المدون في بطاقة الرقم القومي يحدد (حدائق القبة، مدينة نصر، أو حدائق الأهرام ) محلا لإقامتك، ورغم ذلك حين يسألك سائل: «من أي البلاد أنت؟».. تأتي إجابتك دون تفكير: «أنا من طهطا في سوهاج».. وقد تحمل خانة الوظيفة كلمة «صحفي، طبيب، مهندس، أو مبيض محارة»، لكن يديك تحنان إلى الفأس والأرض وماكينة الري، لا يمنعك عنها إلا «الشديد القوي».


وتظل أجمل ذكرياتك - التي تتبادلها - مع أشباهك من الريفيين، تلك التي جرت بين الغيطان وفي الأجران الواسعة، حكايات مثل حفلات شواء قناديل الذرة، تسلُّق النخل وأشجار «النبق»، السباحة في الترع والنيل وصيد الأسماك، اللعب والسمر والسهر على ضي القمر.. أحداث تتذوق حلاوتها حين تصف مشاهد الأيام الخوالي.


والعيد في أريافنا لا يساويه عيد في أي مكان.. وجوه تضحك في صفاء و«لمة الأحباب»، يسقط عليك هواء البُكور في عِزّ لهيب الصيف، تغمرك بدفء الظهيرة في ليل الشتاء، «السهاري» والحكايات كأنها مدونات من الحِكَم ونبل الرجال، هناك لم تزل الكلمة عقدًا، والوعد عهدًا، والصدق دينًا وعقيدة، أما الكرم والوفاء فهما أسلوب حياة.


في أريافنا، لم يزل يحكم الناسَ «قانون العيب»، هذا القانون - غير المكتوب - تتوارثه الأجيال، تفاصيله محفورة في النفوس، يقبض عليه «أولاد الأصول»، يخشون مخالفته أو الخروج عليه، يطبقونه في بيوتهم قبل أن يسألوا غيرهم عنه. العيد في أريافنا يرويك كشجرة أعياها الظمأ، ثم جرى حولها نهرٌ عذب، فاهتزت ورَبَت.
عِيدُنا كما قال «أحمد شوقي»، أمير الشعراء:
 
* العيد هلّل في ذُراكَ وكَبّرا
* وسعى إليكَ يزف تهنئة الوَرَى
* وافى بعزِّك يا عزيز مهنئًا
* بدوام نعمتك العبادَ مبشِّرا
* نظم المُنَى لكَ كالقلادة بعدما
* نشر السعود حيال عرشِك جوهرا
* لاقى على سعد السعود صباحه
* وجهٌ تهلَّل كالصَّباحِ منوّرا
وكل عام ومصرنا العزيزة وبلاد الدنيا جميعها في خير ورغد وسلام.