الدول القوية لا تُبنى بالخطب الطويلة ولا بالشعارات التى تلمع فى المناسبات بل تُبنى حين تتحول الأحلام إلى مصانع والأفكار إلى مشروعات والطموحات إلى واقع يراه الناس بأعينهم.. ولهذا لم تكن افتتاحات الرئيس عبدالفتاح السيسى لمشروعات جديدة فى الدلتا مجرد حدث بروتوكولى عابر بل كانت رسالة أعمق بكثير من الصور والكلمات، رسالة تقول إن الدولة التى تريد النجاة فى هذا العالم المضطرب لا بد أن تمتلك القدرة على الإنتاج وأن تصنع قوتها بيدها لا أن تنتظر ما يأتيها من الخارج.. فى زمن الأزمات العالمية لم يعد السؤال: مَن يملك المال؟ بل مَن يملك القدرة على العمل والإنتاج والصمود؟ العالم تغير بصورة قاسية والدول التى كانت تعتمد على غيرها اكتشفت فجأة أنها قد تسقط فى لحظة إذا تعطلت سفينة أو اشتعلت حرب أو ارتفعت أسعار الغذاء والطاقة.. ولهذا أصبحت المشروعات القومية فى أى دولة محترمة ليست مجرد خرسانة وحديد بل محاولة حقيقية لبناء اقتصاد قادر على الوقوف على قدميه.. ما يحدث اليوم فى مصر خاصة فى ملف الزراعة والتصنيع والبنية التحتية يكشف عن إدراك واضح بأن معركة المستقبل ليست سياسية فقط بل اقتصادية بالدرجة الأولى، فالدولة التى لا تنتج غذاءها ولا تطور صناعتها ولا تؤمن احتياجات شعبها تظل دائما معرضة للضغط والابتزاز مهما امتلكت من شعارات القوة.. وفى مصر تبدو الفكرة الآن أكثر وضوحاً من أى وقت مضى، هناك محاولة لبناء قاعدة إنتاج حقيقية وتوسيع الرقعة الزراعية وإنشاء مجتمعات جديدة وربط التنمية بالصناعة والطاقة والنقل وهى خطوات قد يختلف البعض حول تفاصيلها لكن أحداً لا يستطيع إنكار أن الدولة تتحرك فى اتجاه البناء.. والأهم من المشروعات نفسها هو الرسالة النفسية التى تصل إلى المواطن: أن هناك دولة تعمل وتخطط وتحاول أن تصنع مستقبلاً مختلفاً رغم كل الضغوط الاقتصادية العالمية التى تضرب الجميع بلا استثناء.. لكن تبقى الحقيقة الأهم أن النهضة الاقتصادية لا تصنعها الحكومات وحدها، فالدولة مهما فعلت لن تنجح إذا ظل المجتمع أسير ثقافة الاستهلاك واليأس والتقليل من قيمة العمل، فكل نهضة عظيمة بدأت حين آمنت الشعوب أن الإنتاج شرف وأن العامل والفلاح والمهندس شركاء حقيقيون فى حماية الوطن.


٢٣ يوليو.. والمستقبل!
طريق مسدود !
وداعًا هانى شنودة






