إسرائيل.. فشل مخطط توريط دول الخليج

إحدى الهجمات على المنطقة الصناعية فى الإمارات
إحدى الهجمات على المنطقة الصناعية فى الإمارات


ياسمين هانى

قبل أيام، كشفت صحيفة هاآرتس عن إنشاء إسرائيل قاعدة سرية بالعراق لإدارة ضرباتها ضد إيران من هناك.. 

وفى الوقت نفسه، أعلنت كل من السعودية والإمارات عن هجمات بمُسيرات طالت أراضيهما قادمة من الجهة الغربية.. وبينما أعلنت السعودية أنها انطلقت من العراق، قالت الإمارات إنها ستحقق فى مصدرها، متوعدة «إيران وحلفاءها»، فى إشارة إلى الميليشيات الموالية لإيران فى العراق، وهى «الوكيل الإقليمي» الوحيد لإيران غرب الإمارات.

ولا يعرف على وجه الدقة من أطلق هذه المُسيرات؟ هل هى الميليشيات الإيرانية أم إسرائيل نفسها، بالنظر إلى تقارير سابقة عن هجمات طالت مواقع بالخليج خلال الحرب فى جولتها السابقة، وقد نفت إيران تنفيذها تمامًا واتهمت إسرائيل بذلك.. وفى كل الأحوال يثور سؤال عن إقحام العراق فى الصراع الحالى.. 

والإجابة ستكون بالعودة إلى أحداث ٧ أكتوبر التى تبعها عدوان إسرائيلى واسع على المنطقة. وفى ذلك الوقت جاء إدراج إيران أخيرًا (بالنسبة للإسرائيليين) على أجندة العمل العسكرى ضمن جبهات أخرى، سعى من خلالها الاحتلال لما ينشده من «تغيير للشرق الأوسط». ومن قبل ذلك الوقت، عملت إسرائيل على إقحام نفسها تدريجيًا فى النظام الإقليمى، بمساعدة الولايات المتحدة، وتغيير هويتها التقليدية من المنطقة العربية من عدو لدولة عادية.

واستغلت كل أخطاء النظام الشيعى الإيرانى وسياساته العدوانية الإقليمية من وقت لآخر فى تعميق الفرقة بينه وبين بقية الدول العربية والإسلامية فى المنطقة. وفى وقت ما، حلت إيران كعدو بدلًا من إسرائيل فى المنطقة. وتبلورت بعد ذلك الوقت سياسات أكثر عداء فى المنطقة بناءً على هذه المعادلة الجديدة. ربما كانت هذه هى مساعى إسرائيل فى تهيئة المنطقة للتخلص مما اعتبرته الخطر الإيرانى..

ليس فقط لكى يُعفى الاحتلال نفسه من دور «العدو» لفترة ما.. لكن ليوجد مصلحة مشتركة تجمعه وبقية دول المنطقة فى التخلص من «خطر هام»..

بل أكثر من ذلك: تولى المهمة عنه وبدلًا منه فى التخلص من ذلك الخطر.. ليست كل الخلافات تتحول الى عداءات وليست كل العداءات تتحول الى صراعات.. وليست كل الصراعات تنزلق الى المواجهات المفتوحة.. لكن الوضع مع إيران تطور وانزلق للحرب المفتوحة..

ومع اندلاع الحرب الإيرانية فى ٢٨ فبراير الماضى، ظنت الغالبية أن القضاء على إيران مسألة وقت.. لكن تطورات الحرب كشفت تغير المعادلة..

وذهب العدوان على الدول الخليجية دون رد من أمريكا العالقة نفسها فى الحرب.. ربما كانت الخطة الإسرائيلية هى إقحام الدول الخليجية فى حرب طويلة مع إيران، تستنزف المنطقة لعقود وتدخلها فى حلقة مفرغة من الخراب والدمار والاستنزاف بما يعفى إسرائيل من هذه المهمة.. ترامب نفسه حاول إشراك المنطقة معه فى حربه، ثم ساومهم، بحسب تقارير على إنهاء الحرب بدفع مزيد من الأموال..

وخلف بذلك فكرة المظلة الأمنية الأمريكية للخليج، ودفعهم للظن بأنهم فى مواجهة إيران وحدهم.. فإما الانضمام له فى الحرب المفتوحة وإما الترك بمفردهم أمام ذلك الخطر.

وفى حين اختار الخليج التشبث بضبط النفس والصبر الاستراتيجى والدفاع عن أرضه، أفشل فى الوقت نفسه مساعى إسرائيل لإشعال الحرب الإقليمية التى تعفيها من القضاء على إيران..

والآن، تسعى أمريكا للخروج من ذلك المأزق، دون عمل أى حساب إلا لنفسها وإسرائيل من قبلها.. لا تأبه بمخاوف الخليج من سياسات انتقامية من إيران تجاهه بعد الحرب.

وقال تحليل نشره مركز كارنيجى الأمريكى للأبحاث إن من بين سيناريوهات الموقف الخليجى، مزيد من التقارب لمواجهة إيران، لاسيما التقارب الدفاعى، أو بقاء الوضع ما قبل الحرب كما هو: وحدة خليجية ظاهرية مع وجود خلافات، أو السيناريو الثالث وهو انفجار الخلافات الى العلن.
وقال إنه فى ذلك السيناريو الثالث، يحدث انقسام خليجى جديد حيث تتنافس بعض دول الخليج علنًا على تبنى استراتيجيات منفصلة للتعامل مع المواجهة الأمريكية - الإيرانية.

وينطوى ذلك على خطر حدوث انقسام جديد ومفتوح بينها، لا يضعف التنسيق الداخلى فحسب، بل يتيح أيضًا مجالًا لتدخلات خارجية. وقد تظهر هذه الانقسامات على ثلاثة محاور: التنافس الاقتصادى القائم مسبقًا، والتقييمات المتباينة لإسرائيل، أو اختلاف الحسابات بشأن كيفية الاستجابة لمطالب الولايات المتحدة مقابل مطالب إيران.

وسينعكس الخلاف الحاد فى توتر جيوسياسى، يتجلى فى وقوف البلدان على طرفى نقيض فى النزاعات الأهلية فى السودان وجنوب اليمن على سبيل المثال.

ويسمح ذلك بدور جيوسياسى أكبر لإسرائيل. وقد يخلق حافزًا جديدًا لدول للتوصل إلى تفاهمات مع طهران.

وقد يتسع هذا الانقسام بمرور الوقت، خصوصًا إذا تحولت الحرب إلى صراع ممتد منخفض الحدة. فبعض التقارير تصور بالفعل محورًا يفضل الدبلوماسية مع إيران، فى مقابل فريق  يريد من الولايات المتحدة وإسرائيل «القضاء نهائيًا» على الجمهورية الإسلامية. وقد يدفع التوتر بين هذين النهجين الطرفين إلى مزيد من التباعد.

ولا شك أن التباعد والفرقة بين دول المنطقة يصب بالأساس فى مصلحة إسرائيل التى خططت وضغطت لشن واندلاع هذه الحرب من الأساس، وتتخذ منها الآن وقودًا لتفجير المنطقة، سواء من الناحية العسكرية أو من الناحية السياسية.