رؤى

الدلتا الجديدة والأمن الاقتصادى

النائب عادل زيدان عضو لجنة الزراعة بمجلس الشيوخ
النائب عادل زيدان عضو لجنة الزراعة بمجلس الشيوخ


لم تكن علاقة المواطن المصرى بأرضه يومًا علاقة منفعة عابرة، بل هى عقيدة وجود، وبناء، واستقرار؛ فمنذ فجر التاريخ، حين تخلّى أجدادنا عن حياة الترحال ليلتفتوا حول ضفاف النيل، صاغوا أول مفهوم للدولة القوية القائمة على قيم الإنتاج الزراعي، ومثلما أنقذت خزائن مصر العالم القديم كله من سنوات القحط السبع فى عهد نبى الله يوسف عليه السلام، فإن التاريخ يعيد طرح السؤال ذاته اليوم وسط عالم تموج فيه الصراعات الجيوسياسية وتتهدد فيه سلاسل الإمداد الغذائى يوميًا: كيف تؤمن مصر مستقبلها؟ وتأتى الإجابة صريحة من قلب الصحراء عبر مشروع «الدلتا الجديدة» الذى افتتحه السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى مؤخرًا، لتخرج الاستراتيجيات والنظريات من أدراجها المغلقة وتتجسد واقعًا ملموسًا يغير ملامح الجغرافيا المصرية. 

مشروع الدلتا الجديدة العملاق ليس مجرد توسع أفقى لزيادة الرقعة الزراعية بمساحة تصل إلى نحو 2.2 مليون فدان، بل هو إعادة صياغة شاملة وجريئة للعلاقة التاريخية بين الدولة والأرض، وتجسيد حى لمفهوم الأمن القومى بأبعاده السياسية، والإدارية، والغذائية.

من الناحية الجغرافية والاقتصادية، يمثل المشروع «هروبًا عبقريًا» وتخفيفًا واعيًا للضغط التاريخى المزمن على وادى النيل والدلتا التقليديين اللذين عانيا لعقود طويلة من الزحف العمرانى وتفتت الحيازة الزراعية، وهو ما أشرت إليه تفصيلاً فى مقالى بجريدة «أخبار اليوم» فى 20 فبراير الماضى بعنوان «دلتا مصر الجديدة بين النظرية والتطبيق»، مؤكدًا أن هذا التحرك نحو الظهير الصحراوى بات ضرورة تنموية حتمية لا خيارًا ترفيهيًا، بهدف بناء مجتمعات إنتاجية متكاملة تجمع بين الزراعة والصناعة والخدمات وسلاسل الإمداد.

 ولأننى ولدت فى هذه الأرض المباركة، ونشأت بين حقولها، وتخصصت دراسيا وعلميًا وعمليًا فى ترابها وأدركت قيمة الطمى والرمال، أرى بعين الدارس والمستثمر معًا أن «الدلتا الجديدة» تضع حجر الأساس للزراعة الذكية والمستدامة القائمة على تعظيم كفاءة الموارد؛ حيث تتجلى عبقرية البنية التحتية فى إعادة تدوير مياه الصرف الزراعى المعالجة ثلاثيًا عبر محطات رفع عملاقة وشبكات نقل متقدمة، ودمجها بالمياه الجوفية، دون المساس بحصصنا المائية التاريخية أو استنزاف الطبيعة.

والرؤية الاقتصادية التى يجب أن نلتف حولها اليوم كمستثمرين ومسؤولين هى ألا يخرج محصول واحد من هذه الأرض دون صقل قيمته الاقتصادية؛ عبر تدشين مجمعات متطورة للتبريد، والتعبئة، والتغليف، والتصنيع الغذائى القائم على المحاصيل، مما يضمن تعظيم العائد الاقتصادى للفدان، ويرفع من تنافسية المنتج المصرى فى الأسواق العالمية، ويخلق آلاف فرص العمل المستدامة.

وإذا كانت الإرادة السياسية قد فتحت الباب على مصراعيه وقدمت البنية التحتية كمنصة انطلاق قوية، فإن تحقيق الطفرة الاقتصادية المنشودة يتطلب الآن خطوة واحدة حاسمة، وهى جمع شمل الدولة والمستثمرين يدًا بيد، والعمل المشترك بين القطاعين العام والخاص. 

وبصفتى ممثلاً نيابيا فى لجنة الزراعة بمجلس الشيوخ ومنتمى لقطاع الأعمال، أرى أن المرحلة المقبلة تستلزم بناء «تحالف استراتيجي» يركز على دمج الشباب والتعاونيات الزراعية فى المنظومة عبر نماذج شراكة مبتكرة تضمن لهم الدعم الفنى والتمويلى وتربطهم بأسواق التصدير، مع ربط الإنتاج بمراكز البحوث التطبيقية لاستنباط سلالات بذور عالية الإنتاجية ومقاومة للتغيرات المناخية وموفرة للمياه.