تشغلنا هموم العالم وأخبار الحروب، لكن هموم مهنة الصحافة ـ التى كانت صاحبة الجلالة يوماً ما ـ تظل شغلنا الشاغل. فى أوائل مايو الحالي، صدر تقرير «مراسلون بلا حدود» ليكشف أرقاما مفزعة عن حرية الصحافة فى العالم، التى سجلت أدنى مؤشراتها منذ ٢٥ عاماً.
يكفى أن نعلم أن نحو ٥٢% من الدول التى شملها التقرير باتت حرية الصحافة فيها مصنفة ضمن فئة «الأوضاع الصعبة» أو «الخطيرة جداً».
قراءة سريعة فى أرقام تكشف عن حقائق مذهلة فالولايات المتحدة الأمريكية، التى يعتبرها البعض واحة الحرية والديمقراطية، احتلت المركز ٦٤ من ١٨٠ دولة، حيث تراجعت خلال عام من حكم الرئيس ترامب سبعة مراكز عن العام الماضي.
وبالرغم من أن تقارير كهذه كثيراً ما تتسم بغياب الحياد والانزلاق نحو التحيز، إلا أن تقرير «مراسلون بلا حدود» هذه المرة فضح انتهاكات الاحتلال الصهيونى وجرائمه خلال الحرب على غزة، موثقاً استشهاد أكثر من ٢٢٠ صحفياً، فى واحدة من أفظع المذابح التى استهدفت الإعلام فى التاريخ الحديث.
الكلمة والصورة والرأى حسب التقرير تعيش أسوأ عهودها عالمياً ، الصحافة باتت مُكبلة تتحرك داخل مساحات ضيقة يطاردها الخوف وتطوقها القوانين الاستثنائية.
وسط هذا العتمة برزت النرويج كنافذة مضيئة حيث حافظت على صدارة مؤشر حرية الصحافة للعام العاشر توالياً، متقدمة على هولندا وإستونيا والدنمارك، لتؤكد أن الإرادة ، حين تقترن بحماية قانونية حقيقية واستقلال للمؤسسات، فإنها تكون قادرة على خلق بيئة إعلامية حرة ومزدهرة.
أرقام تقرير «مراسلون بلا حدود» تكاد تصرخ وتقول: افتحوا النوافذ للحقائق وارفعوا أسقف الحرية لأن العالم يقف أمام منعطف بالغ الخطورة، حيث تراجعت حرية التعبير لصالح سياسات الحجب والعقاب، وتحولت الصحافة تدريجياً من حق أصيل تكفله الدساتير لتبصير الشعوب إلى تهمة قد تجر أصحابها إلى المحاكم والسجون.
الخطر الحقيقى لا يكمن فقط فى كتم الأصوات، بل فى تجفيف منابع الحقيقة ذاتها. فحين تُحاصر المعلومة أو تكبت ، يصبح المجتمع أكثر هشاشة، ويتحول الأمن القومى للدول من مفهوم لحماية الأوطان إلى ذريعة لتكميم الأفواه وملاحقة أصحاب الرأي.
فى يقينى أن إنقاذ الصحافة أصبح قضية عالمية لم تعد تخص العاملين بالمهنة وحدهم، بل معركة تتعلق بحق الشعوب فى المعرفة. العالم بحاجة إلى وقفة دولية تعيد تعريف الأمن باعتباره الضامن الحقيقى لحرية تدفق المعلومات ، ليس أداة لإغلاق كل النوافذ التى يدخل منها أضواء الحقيقة.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







