سلالة نادرة لـ «إيبولا»| هل يواجه العالم شبح وباء جديد من قلب أفريقيا؟

مكافحة الأوبئة
مكافحة الأوبئة


- أستاذ علم الأوبئة: العالم لا يجب أن ينتظر وصول «إيبولا» لأوروبا حتى نتحرك  


- الصحة: مصر خالية تمامًا من أي إصابات بفيروس «إيبولا»

 

مع عودة فيروس «إيبولا» للظهور مجددًا في قلب القارة الأفريقية، يجد العالم نفسه أمام اختبار صحي جديد يثير القلق، ليس فقط بسبب خطورة الفيروس ومعدلات الوفاة المرتفعة المرتبطة به، بل أيضًا بسبب ضعف الأنظمة الصحية في بؤر التفشي، وغياب لقاحات أو علاجات فعالة للسلالة الحالية المنتشرة. 


ويعكس الإعلان الذي أصدرته منظمة الصحة العالمية باعتبار التفشي الجديد في جمهورية الكونغو الديمقراطية وأوغندا «طارئة صحية عامة تثير قلقًا دوليًا» حجم المخاوف من اتساع دائرة العدوى إقليميًا، ويعيد إلى الواجهة تساؤلات قديمة حول مدى جاهزية العالم للتعامل مع الأوبئة العابرة للحدود.

 

وتكتسب الأزمة الحالية حساسية مضاعفة مع ظهور سلالة «بونديبوجيو» النادرة، التي تختلف عن السلالة الأكثر شهرة «إيبولا زائير» المرتبطة بتفشي عام 2013، وهو ما يزيد من تعقيد جهود الاحتواء، خاصة في ظل عدم وجود لقاح معتمد يوفر حماية فعالة ضدها حتى الآن، فضلا عن أن تسجيل إصابات بين العاملين في القطاع الصحي وظهور وفيات غير معتادة يثيران مخاوف من انتقال العدوى داخل المرافق الطبية، الأمر الذي قد يؤدي إلى توسع التفشي بوتيرة يصعب السيطرة عليها إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة.

 

ورغم أن فيروس الإيبولا لا ينتقل بسهولة مثل الفيروسات التنفسية، فإن خطورته تكمن في سرعة تطور الأعراض وارتفاع معدلات الوفاة، إلى جانب تأثيره النفسي والاقتصادي الكبير على المجتمعات المتضررة. كما أن التجارب السابقة أثبتت أن تجاهل الأوبئة المحلية في الدول الفقيرة قد يحولها لاحقًا إلى تهديد عالمي، خاصة مع حركة السفر والتنقل عبر الحدود.

 

وفي هذا السياق، يرى خبراء أن الأزمة الحالية تكشف مجددًا عن فجوة واضحة في أولويات النظام الصحي العالمي، حيث تظل الأمراض التي تضرب الدول النامية أقل جذبًا للاستثمارات الدوائية والبحثية مقارنة بالأمراض التي تهدد الاقتصادات الكبرى.

 

من جانبه، حذر الدكتور إسلام عنان أستاذ علم الأمراض والاوبئة، من خطورة الاستهانة بالتفشي الحالي، مؤكدًا أن العالم لا يجب أن ينتظر انتقال العدوى إلى أوروبا أو الولايات المتحدة حتى يبدأ التحرك الجاد، مشيرًا إلى إن فيروس الإيبولا ظهر لأول مرة عام 1976 بالقرب من نهر إيبولا في الكونغو، ومنذ اكتشافه تسبب في نحو 40 ألف إصابة وقرابة 18 ألف وفاة، فيما وصلت معدلات الوفاة في بعض موجاته إلى 60%، مقارنة بنسبة وفيات لم تتجاوز 1% تقريبًا في فيروس كورونا.


- سلالة نادرة تثير المخاوف


وأوضح أن السلالة الحالية المنتشرة تُعرف باسم «بونديبوجيو»، وهي سلالة نادرة تختلف عن سلالة «إيبولا زائير» الشهيرة التي تسببت في موجة 2013 الكبرى، مشيرًا إلى أن العلماء لم يتوقعوا أن تتسبب هذه السلالة في تفشٍ واسع بهذا الشكل.

وبحسب بيانات منظمة الصحة العالمية حتى 16 مايو 2026، تم تسجيل 8 حالات مؤكدة مختبريًا و246 حالة مشتبه بها، إضافة إلى 80 وفاة مشتبه فيها داخل مقاطعة إيتوري شرقي الكونغو الديمقراطية، إلى جانب حالتين مؤكدتين في العاصمة الأوغندية كامبالا، بينهما حالة وفاة.

وأكدت المنظمة أن المؤشرات الحالية ترجح أن تكون الفاشية أكبر من الأرقام المعلنة، خاصة مع ظهور مجموعات وفيات غير معتادة، وإصابات بين العاملين في القطاع الصحي، ما يشير إلى احتمالات انتقال العدوى داخل المنشآت الطبية.

 

- كيف ينتقل الإيبولا؟

 

وأشار الدكتور إسلام عنان، إلى أن الإيبولا لا ينتقل بسهولة مثل الفيروسات التنفسية، إذ تنتقل العدوى عبر سوائل الجسم مثل الدم واللعاب والعرق والسائل المنوي، أو من خلال الإبر الملوثة والتعامل المباشر مع الجثث المصابة، موضحًا أن فترة حضانة الفيروس تبلغ في المتوسط 8 أيام، وخلالها لا يكون المصاب معديًا، ثم تبدأ الأعراض بحمى شديدة وإجهاد وآلام عضلية، قبل أن تتطور إلى قيء وإسهال ونزيف داخلي وفشل متعدد بالأعضاء في الحالات الخطيرة.

 

وأكد أن كبار السن والأطفال والحوامل ومرضى نقص المناعة والأمراض المزمنة هم الأكثر عرضة للمضاعفات والوفاة، خاصة مع التأخر في تلقي الرعاية الصحية.


- لا يوجد لقاح أو علاج للسلالة الحالية


وأكد عنان أن اللقاح المتوفر حاليًا «Ervebo» مخصص فقط لسلالة «إيبولا زائير»، ولا يوفر حماية ضد سلالة «بونديبوجيو»، بينما لا يوجد حتى الآن علاج معتمد مخصص لها، رغم وجود أبحاث أولية لتطوير لقاحات تجريبية بالتعاون بين شركات عالمية وجامعات بحثية.

 

اقرأ ايضاً: تطبيق إلكتروني موحد.. هل تنجح الرقمنة في الحد من قضايا محاكم الأسرة؟

وأشار إلى أن هذا النقص في اللقاحات والعلاجات كان أحد الأسباب الرئيسية وراء إعلان منظمة الصحة العالمية حالة الطوارئ الصحية الدولية، إلى جانب ضعف أنظمة الرعاية الصحية في المناطق المتضررة والخوف من تكرار سيناريو 2013.

وأوضحت منظمة الصحة العالمية أن إعلان الطوارئ استند إلى عدة عوامل، أبرزها:

- الطبيعة الاستثنائية للفاشية الحالية.

- انتقال العدوى بين دول مختلفة.

- ارتفاع خطر الانتشار الإقليمي بسبب السفر والتنقلات الحدودية.

- الحاجة إلى تنسيق دولي عاجل لدعم جهود الترصد والاحتواء.


وأوصت المنظمة بمنع سفر الحالات المؤكدة أو المخالطين، إلا في حالات الإجلاء الطبي، مع فرض متابعة صحية يومية لمدة 21 يومًا للمخالطين، إضافة إلى تشديد إجراءات الفحص في المطارات والمعابر الحدودية. وفي الوقت نفسه، شددت المنظمة على أنه لا توجد مبررات علمية لإغلاق الحدود أو وقف حركة التجارة والسفر، محذرة من أن هذه الإجراءات قد تؤدي إلى زيادة التنقل غير الرسمي وصعوبة تتبع الحالات.

 

- العالم يتحرك عندما يقترب الخطر


وفي تعليق لافت، قال الدكتور إسلام عنان إن أزمة الإيبولا الحالية تكشف عن «خلل واضح» في أولويات البحث العلمي عالميًا، موضحًا أن تطوير لقاح جديد قد يكلف نحو مليار دولار، وهو ما يجعل الشركات الدوائية أقل اهتمامًا بالأمراض التي تنتشر في الدول الفقيرة.

 

وأضاف: «للأسف العالم غالبًا يتحرك بقوة فقط عندما يشعر أن الخطر قد يصل إلى المواطن الأبيض، بينما الأمراض التي تقتل الأفارقة ببطء لا تحظى بنفس الاهتمام إلا إذا تحولت إلى تهديد عالمي».

وأكد أن ظهور سلالة نادرة مثل «بونديبوجيو» واتساع نطاق الإصابات يثبت أن تجاهل الأوبئة المحلية قد يتحول سريعًا إلى تهديد عالمي، مضيفًا: «السؤال الحقيقي الآن: هل تتحرك المنظومة الصحية العالمية وفق خطورة المرض فعلًا، أم وفق الجغرافيا والاقتصاد والسياسة؟».

- الصحة تكشف حقيقة وجود الفيروس في مصر

وعلى الصعيد الرسمي، أكد د. الدكتور حسام عبدالغفار، المتحدث باسم وزارة الصحة، أن مصر خالية تمامًا من أي إصابات بفيروس إيبولا، مشيرًا إلى وجود متابعة مستمرة ومباشرة من وزارة الصحة بالتنسيق مع منظمة الصحة العالمية لرصد أي حالات اشتباه.

وقال في تصريحات متلفزة "هناك متابعة مستمرة من وزارة الصحة، وهذا الأمر تم مناقشته مع منظمة الصحة العالمية، ومصر ليس لديها أي إصابة بفيروس إيبولا.. فيروس إيبولا تفشى في الكونغو، ولا وجود للفيروس في مصر، ومصر اتخذت إجراءات قوية لرصد أي اشتباه بفيروس إيبولا، والفيروس لا ينتقل عبر الهواء، وينتقل خلال فترة ظهور الأعراض، والصحة تنسق مع كافة الجهات لرصد أي محاولات قادمة من خارج مصر".

وتابع: "إيبولا لا ينتقل عبر الهواء، ولكن خلال الاتصال المباشر بسوائل جسم الشخص المصاب، ومن أول أعراض فيروس إيبولا تبدأ بارتفاع درجات الحرارة، وبخصوص تعليق السفر والإجراءات المصرية لم نصل إلى هذا الأمر".

 

- ضعف النظام الصحي في الكونغو 

وأوضح أن ضعف النظام الصحي في الكونغو ساهم في انتشار فيروس إيبولا، ولا يوجد دليل علمي على انتقال فيروس إيبولا بشكل وبائي من خلال السفر متابعًا "ولو جاء إلى مصر شخص حامل للفيروس سنمنعه من الدخول، ولم يصل إلينا أي مصاب من الأماكن التي نصت عليها منظمة الصحة العالمية".

 

وأضاف: "الطواقم الطبية هي الأكثر عرضة للإصابة بالمرض، والوضع في مصر مستقر، وما هو متواجد حاليًا رفع درجة الاستعداد، ومصر خالية تمامًا من الفيروس، ورفعنا درجة الاستعداد بالمنافذ الجوية والبحرية بدون أي إجراءات لتقييد السفر".

 

ولفت إلى أن "لدينا أكثر من 15 مبادرة رئاسية تغطي المجال الصحي لكل المرضى في مصر، والدكتور خالد عبدالغفار في جنيف لاجتماعات منظمة الصحة العالمية، وتحدث عن تجربة مصر الناجحة، والمشاركة لم تعد مشاركة بروتوكولية بل تعكس دور الدولة المصرية، والسبب الرئيسي لهذا الأمر المبادرات الرئاسية التي أصبحت تتعامل مع المرض بالكشف المبكر وتغطية المجال العام للصحة".