الدكتورة هويدا عزت تكتب: بعض الناس يرحلون.. لكن أثرهم يبقى

الدكتورة هويدا عزت
الدكتورة هويدا عزت


في كثير من أماكن العمل، يرحل بعض الأشخاص فلا يترك غيابهم فرقًا كبيرًا، بينما يبقى آخرون حاضرين في ذاكرة الناس حتى بعد سنوات طويلة، ليس بسبب مناصبهم، بل لأنهم جعلوا العمل أسهل، والحياة أكثر إنسانية لمن حولهم.

تمر سنوات العمل سريعًا بين ضغط المهام اليومية، والسعي وراء الترقية، والانشغال الدائم بتحقيق الإنجازات، حتى يعتاد كثيرون أداء العمل كروتين متكرر دون أن يتوقفوا للحظة ليتساءلوا: ماذا أضفنا فعلًا لمن حولنا؟ وما الذي سيبقى بعدنا داخل هذا المكان؟

إن الأثر الحقيقي في بيئات العمل لا يقتصر على السلوك الصالح أو الكلمات الطيبة فقط، بل يظهر في كل فكرة سهلت العمل على الآخرين، وكل خبرة نقلت بصدق لموظف جديد، وكل إجراء تم تطويره ليجعل المهام أسرع وأكثر وضوحًا وأقل تعقيدًا، أحيانًا يترك الإنسان أثره الحقيقي في ملف نظمه جيدًا، أو نظام ابتكره فخفف الضغط عن فريق كامل، أو معلومة شاركها فاختصرت على الآخرين سنوات من التخبط والتجربة.

وفي كل مجال من مجالات الحياة، هناك أشخاص يمرون مرورًا عاديًا لا يتركون خلفهم سوى ملفات وأرقام، وهناك من يتركون أثرًا يتجاوز حدود الوظيفة والمسمى الوظيفي؛ أثرًا يجعل حياة الناس أسهل، والعمل أكثر تنظيمًا، والمعرفة أقرب إلى الجميع؛ فالعمل لا يصبح ذا قيمة فقط بما ننجزه لأنفسنا، بل بما نجعله أكثر سهولة وفائدة للناس من بعدنا.

ولهذا، لا يبقى في ذاكرة الناس دائمًا أصحاب المناصب الأعلى، بل أولئك الذين شاركوا خبراتهم بصدق، وسعوا إلى التسهيل لا التعقيد، وإلى البناء لا الاحتكار.

وفي الفكر الإداري الحديث، لم تعد قيمة الموظف تقاس فقط بما ينجزه بشكل فردي، بل بقدرته على نقل المعرفة وتحسين بيئة العمل من حوله؛ فالمؤسسات الناجحة لا تعتمد على وجود أفراد متميزين فقط، وإنما على قدرتها على تحويل الخبرات الفردية إلى معرفة مشتركة يستفيد منها الجميع. ولهذا أصبحت مشاركة الخبرة وتطوير أساليب العمل جزءًا مما يعرف اليوم بـ"رأس المال المعرفي" وهو أحد أهم الأصول غير الملموسة داخل المؤسسات الحديثة.

الأثر الحقيقي لا يرتبط دائمًا بالمواقف الكبيرة أو بالمناصب الرفيعة، بل قد يبدأ من تفاصيل صغيرة تتكرر كل يوم؛ كإنسان يشرح خبرته لزملائه بدل أن يحتفظ بها لنفسه، أو موظف يطور طريقة عمل تختصر الوقت والجهد على فريق كامل، أو شخص يشارك معرفة تساعد الناس على تحسين حياتهم، فهناك من يرى المعرفة وسيلة للتميز الفردي فقط، بينما يدرك آخرون أن أعظم قيمة للعلم هي أن يتحول إلى منفعة عامة تسهل حياة الناس وتقلل معاناتهم.

على سبيل المثال، قد يترك طبيب أثرًا طيبًا في حياة كثيرين عندما يبسط المعلومات الطبية وينقل خبراته بأسلوب يساعد الناس على فهم صحتهم والعيش بصورة أفضل، وقد يبقى معلم حاضرًا في ذاكرة طلابه لسنوات بسبب طريقته السهلة والبسيطة في الشرح، بينما يترك عامل في مصنع أثرًا مختلفًا حين يبتكر طريقة عملية تُسهل حمل المنتجات وتخفف الجهد عن زملائه.

وقد يظهر هذا الأثر أيضًا في موظف حكومي طوّر إجراءً إداريًا اختصر على المواطنين ساعات طويلة من الانتظار، أو مهندس صمّم نظامًا أكثر أمانًا وراحة للعاملين، أو مبرمج أنشأ أداة بسيطة سهلت إنجاز المهام اليومية داخل فريق كامل، بل أحيانًا يترك موظف خدمة عملاء أثرًا إنسانيًا عميقًا فقط لأنه تعامل مع الناس باحترام وصبر في لحظات توترهم وضغوطهم.

فهناك أشخاص لا يغيرون العالم بضجيج كبير، لكنهم يغيرون حياة من حولهم بهدوء من خلال فكرة نافعة، أو معرفة صادقة، أو تحسين بسيط يجعل الحياة أكثر سهولة وإنسانية. وهكذا، لا يرتبط الأثر الحقيقي فقط بما نملكه من معرفة أو خبرة، بل بقدرتنا على تحويلها إلى قيمة نافعة تجعل حياة الآخرين أسهل وأفضل.

ومع مرور الوقت، يكتشف الإنسان أن أكثر ما يبقى بعده ليس عدد السنوات التي قضاها في العمل، بل ما تركه من تطوير نافع أو معرفة مفيدة أو أثر خفّف العبء عن الآخرين، فبعض الأشخاص يرحلون وتنتهي أدوارهم معهم، بينما يبقى أثر آخرين حاضرًا في كل نظام طوروه، أو فكرة نشروها، أو خبرة شاركوها بصدق.

ومع ذلك، فإن صناعة الأثر النافع ليست دائمًا طريقًا سهلًا؛ فالأشخاص الذين يسعون إلى نقل المعرفة أو تبسيط المعلومات أو تطوير طرق العمل قد يواجهون أحيانًا مقاومة من بعض أصحاب المصالح أو من المعتادين على بقاء الأمور كما هي؛ فالتغيير حتى عندما يكون مفيدًا، قد يزعج من اعتادوا التعقيد أو احتكار المعرفة أو الاستفادة من جهل الآخرين. 

ولهذا، فإن مشاركة الخبرة بصدق تحتاج أحيانًا إلى شجاعة وصبر لا يقلان أهمية عن العلم نفسه، لأن الأثر الحقيقي لا يصنعه من يبحث عن القبول المؤقت، بل من يؤمن أن المعرفة حين تصل إلى الناس بصورة صحيحة يمكنها أن تجعل حياتهم أفضل وأكثر وعيًا.

في النهاية، لا يصبح العمل ذا قيمة حقيقية بمجرد إنجاز المهام أو تحقيق الأرقام، بل حين يتحول إلى وسيلة لتحسين حياة الناس وتسهيلها. فالأثر الأجمل ليس ذلك الذي يُكتب في التقارير، بل الذي يبقى حيًا في واقع الناس؛ في علم نافع، أو فكرة سهلت العمل، أو خبرة اختصرت على الآخرين طريقًا طويلًا من المعاناة والتجربة.

قد ينسى الناس كثيرًا من التفاصيل مع الوقت، لكنهم لا ينسون الشخص الذي جعل حياتهم أسهل، وعملهم أفضل، ومعرفتهم أوسع، فبعض الإنجازات تنتهي بانتهاء أصحابها، بينما يبقى الأثر الحقيقي حيًا في كل إنسان استفاد من علم، أو فكرة، أو تجربة جعلت حياته أفضل.


كاتبة المقال: كاتبة وباحثة في العلوم الإدارية وفلسفة الإدارة