كل فترة نسمع عن تطوير جديد في التعليم، لغة جديدة تُضاف، مادة تُلغى، مناهج تتغير، ونظم تعليمية جديدة يتم تطبيقها بسرعة كبيرة، وكأن المشكلة الحقيقية في عدد المواد أو شكل الامتحان فقط.
لكن وسط كل هذا، هناك سؤال أخطر بكثير: هل ما زلنا نربي أبناءنا فعلًا؟، لأن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها، أن هناك تغيرًا واضحًا في سلوكيات جزء من الأطفال والمراهقين، تغير لم يعد مجرد “شقاوة” أو “مرحلة وستعدي”، بل أصبح ناقوس خطر حقيقي يحتاج وقفة من البيت، والمدرسة، والدولة معًا.
أصبحنا نرى أطفالًا يقيمون بعضهم البعض بطريقة قاسية جدًا، وكأن قيمة الإنسان أصبحت تُقاس بما يملكه لا بما هو عليه.
طفل يسخر من زميله لأنه لا يجيد رياضة معينة، وآخر يتفاخر بما يملك ليشعر غيره بالنقص، وأطفال يحرجون بعضهم بأسئلة جارحة عن شكل البيت، أو المستوى الاجتماعي، أو الملابس، أو طبيعة الأسرة؟، وكأن بعض الأطفال بدأوا يتعلمون مبكرًا فكرة التصنيف الطبقي والمقارنة والشعور بالتفوق على الآخرين.
والمؤلم أن هذه السلوكيات لم تعد مرتبطة بمستوى اجتماعي معين، بل أصبحت موجودة في كل مكان، من المدارس الحكومية وحتى أكبر المدارس الدولية.
وفي المقابل هناك طفل يعود إلى بيته مكسورًا نفسيًا يشعر أنه أقل من الجميع فقط لأنه مختلف، ولأن التربية لم تعد تأتي فقط من البيت أو المدرسة أصبحت السوشيال ميديا جزءًا أساسيًا من تكوين وعي الأطفال ونظرتهم للحياة.
أطفال يشاهدون يوميًا فيديوهات تعرض بيوتًا مثاليه وحياة تبدو كاملة بلا مشاكل، وكل شيء فيها متاح ومتوفر بشكل مبالغ فيه، فيبدأ بعضهم في مقارنة حياته الطبيعية بما يراه على الشاشة، دون أن يفهم أن كثيرًا مما يُعرض ليس واقعًا كاملًا، بل صورة مصنوعة من أجل المشاهدات والربح، فيكبر الطفل وهو يشعر أن حياته أقل، وأن أسرته أقل، وأن قيمته مرتبطة بما يملكه لا بما هو عليه.
الأخطر من ذلك، أن بعض صور العنف وقلة الاحترام بدأت تتحول إلى شيء عادي في نظر البعض، ما زلنا نسمع عن وقائع لطالب يتجاوز حدوده مع مدرس داخل الفصل، أو يتعامل مع الإهانة وكأنها بطولة تستحق التصفيق من زملائه.
وهنا يجب أن نتوقف طويلًا، لأن المشكلة لم تعد مجرد واقعة فردية، بل أصبحت مؤشرًا على غياب شيء أساسي جدًا في التربية وهي الاحترام، فاحترام الإنسان، واحترام الكبير، واحترام الاختلاف، واحترام حدود الكلمة والتصرف.
ولهذا، ربما حان الوقت لنسأل أنفسنا بصدق: لماذا لا تصبح التربية الأخلاقية والنفسية منهجًا أساسيًا داخل المدارس؟، ليس مجرد نشاط عابر أو ندوة مؤقتة، بل مادة حقيقية لها حصص ثابتة، وواجبات، وتقييم، ومواقف عملية يتعلم الطفل من خلالها: كيف يحترم غيره، كيف يختلف دون سخرية، كيف يسيطر على غضبه، كيف يتعامل مع التنمر، كيف يتقبل اختلاف الناس وظروفهم، وكيف يفهم أن قيمة الإنسان لا تُقاس بالمال أو الشكل أو الظروف الأسرية.
فنحن لا نحتاج فقط إلى جيل يتحدث أكثر من لغة بل نحتاج إلى جيل يعرف كيف يتحدث مع الناس باحترام، ولا نحتاج فقط إلى طلاب متفوقين دراسيًا بل نحتاج إلى بشر أسوياء نفسيًا، لا يرون القسوة قوة، ولا يعتبرون الإهانة نوعًا من التفوق.
ولأن المجتمعات لا تنهار فقط بسبب ضعف التعليم بل أحيانًا تنهار عندما تفقد التربية معناها الحقيقي.

أزمة مضيق هرمز تكشف عجز المجتمع الدولى
واقع جديد
الـ AI ينافس شاكيرا عالميا







