محمد سليم شوشة
بعض الأمراض النفسية مثل الشيزوفرينيا أو حالات الفصام وحالات الاضطرابات الحدية أو البايبولر تتجلى فى اللغة.
منذ عقود لم تعد العلوم الاجتماعية والإنسانية أمراً غامضاً أو تعتمد على مجرد الفرضيات النظرية الخالصة، وأصبح كثير من الظواهر الاجتماعية والإنسانية قابلة للقياس والتحديد الدقيق، وبخاصة بعد ثورة العلوم الإدراكية التى كانت فى منتصف القرن الماضى وربطت بين حقول علمية عديدة كما ذكرنا فى المقال السابق، وبناء عليه أصبحت عمليات التفكير وأنماطه السائدة فى المجتمع قابلة للرصد والقياس والتحليل الدقيق والعميق.
وأصبح كذلك من السهل تحديد الأفكار ذات الطابع العلمى والمنطقية سواء فى أفكار العامة أو حتى فى الأوساط المثقفة، وكذلك الكشف عن حجم الخرافات أو الأفكار غير المنطقية أو البعيدة عن العلم والمنهج وتنطوى على مغالطات ربما لم نكن قادرين على الانتباه لها فى الماضي، وذكرنا فى المقالة السابقة أن اللغة فى هذا السياق من دراسة مستويات العقلانية والمنطق وفحص عمليات التفكير السائدة فى المجتمع تصبح هى الوسيط المهم الذى يشبه الدم الذى نحلله لندرك المرض أو خصائص الجسم وكيمياءه وصفاته الجينية.
لكن الشىء الصعب هو أن اللغة لها عديد التجليات فى المجتمع وبخاصة بعد ثورة التكنولوجيا والاتصالات والوسائط المتعددة التى أصبحت حاملة لكلام الناس ولغتهم، فاللغة تتجلى فى الأدب وفى السينما والدراما بمثل ما تتجلى فى منشورات الفيس بوك والتريند أو القضايا التى تمثل نزعة عامة يتشارك الناس حولها بين آراء إيجابية وسلبية، من هنا تأتى خطورة اللغة وأهميتها أو مركزية دورها الاجتماعى وبالتالى الثقافى والسياسي، فاللغة لها فعلها وتأثيرها ودلالاتها العميقة والمؤثرة فى الجماهير فى لغة التعليق الرياضى ومباريات كرة القدم بشكل خاص، كما هى أيضا حاضرة بالصورة نفسها من الفاعلية والتأثير فى الأغانى الشعبية وأغانى المهرجانات التى تسهم دون أن نشعر بها فى تشكيل سيكولوجيا الفرد أو تسهم فى تكوين تصور لدى الذات عن نفسها فى الفئات والمجتمعات التى تتعاطى معها بكثافة، فالشاب الذى يسمع لأغانى المهرجانات يتشكل بما فى كلمات هذه الأغانى بصورة هى حتما مغايرة لذلك الذى يستمع لأغان كلاسيكية أو لآخر يستمع لأغان أجنبية، وهكذا.
وفئات أنصاف المتعلمين الذين يتعاملون مع ثقافة (التريند) فى الفيس بوك بنوع من السطحية وغياب القدرة على تتبع المعلومات الخاصة بأى تريند والتحقق من صحتها على نحو ما نرى مثلا فى ظاهرة أحد أطباء التغذية الذى طرح أشكالا من التخريف والخروج عن المسارات العلمية، أو غيرها من الظواهر التى يصبح قطاعاً كبيراً من المجتمع عاجزا عن تتبع المعلومات والتحقق منها، فإنه حينها قد يقبل على هذا النمط من التفكير غير العلمى وغير المنطقى وينحاز له إنحيازا جارفا وبخاصة إذا كان يملك صاحب هذا الخطاب قدرات كبيرة فى الخلط بين الحق والباطل وبين المعلومات الصحيحة بالمعلومات الخاطئة.
وفى هذه المهمة من فحص وبحث أحوال التفكير وقياس مستويات العقلانية والمنطق فيه تصبح اللغة فى غاية الأهمية، اللغة بمستوياتها الأشمل ولا أعنى هنا ما اعتدنا عليه فى التعامل مع اللغة من منظور تعليمى يقتصر على القواعد والصواب والخطأ، ولكن ما وراء اللغة من حالات شعورية وانفعالية، ما قد تتضمنه اللغة من تناقضات أو حالات من التباين والتعارض، فعلى سبيل المثال بعض الأمراض النفسية مثل الشيزوفرينيا أو حالات الفصام وحالات الاضطرابات الحدية أو البايبولر تتجلى فى اللغة، أى أن تحمل اللغة حالات من التناقض والتحولات العميقة، بل إن بعض لغة الفن سواء السرد أو الشعر تصبح هى الأخرى عاكسة لأنواع من الاضطراب والمرض وغياب العقلانية، بل إن بعض الخطابات اللغوية تحمل حالات من التضليل والعمد لصناعة وعى مزيف، وهذه الأنماط من اللغة قد لا ننتبه لها أو نتصور أن فيها ووراءها كل هذه الظواهر الخفية، ظواهر فنية واجتماعية ونفسية ودينية وغيرها، حالات من التحيز الأيديولوجى أو الخلل الاجتماعى دون أن نستوعب.
فعلى سبيل المثال يمكن أخذ لغة المتطرفين دينيا على صحفات التواصل الاجتماعى لكشف حجم ما يعانونه من العصاب، وهو حالة مرضية معروفة، لكنها تتجلى بصورة معينة من صور الاندفاع العاطفى والتحيز الذى قد يدفع الإنسان لارتكاب جرائم، فكثير من المنتمين للجماعات الدينية هم بالأساس مرضى نفسيون، وهناك تحليل قديم لفرويد فى كتابه مستقبل وهم، ولكن الدراسات الإدراكية وعلم النفس الإدراكى يشرّح هذه الحالات المرضية بامتدادها تشريحا علميا دقيقا ويكشف حجم ما لديهم من تناقض وغياب للعقلانية والمنطق وفاعلية أنماط من الصدمات أو المروث النفسى السلبى لديهم بصورة خفية.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







