من ورش العمال إلى دفء الأسرة| متاحف مصر تحتفي بذاكرة الحضارة في مايو

صورة موضوعية
صورة موضوعية


تواصل متاحف الآثار على مستوى الجمهورية تقديم رؤى جديدة ومبتكرة للتعريف بروائع الحضارة المصرية، من خلال تقليد شهري يهدف إلى تسليط الضوء على مجموعة مختارة من القطع الأثرية ذات الدلالات التاريخية والإنسانية المميزة، وذلك عبر مشاركة الجمهور في اختيارها من خلال التصويت على الصفحات الرسمية للمتاحف بمواقع التواصل الاجتماعي.

ويأتي هذا النهج في إطار الدور الثقافي والتعليمي الذي تضطلع به المتاحف المصرية، باعتبارها مؤسسات حية لا تقتصر مهمتها على عرض المقتنيات الأثرية فحسب، بل تمتد لتشمل بناء الوعي المجتمعي وتعزيز الانتماء للهوية الوطنية، إلى جانب فتح قنوات تفاعل مستمرة بين الجمهور والتراث الحضاري المصري الممتد عبر آلاف السنين.

اقرأ أيضًا.. متحف «باردو» في تونس.. رحلة عبر الزمن لآثار الحضارة القرطاجية والرومانية

وقد حملت اختيارات شهر مايو هذا العام طابعًا إنسانيًا واجتماعيًا خاصًا، حيث سلطت الضوء على مناسبتين عالميتين لهما دلالات عميقة في حياة الشعوب، وهما عيد العمال واليوم العالمي للأسرة، من خلال قطع أثرية وفنية تجسد قيمة العمل، وأهمية الأسرة باعتبارها نواة المجتمع عبر مختلف العصور.

عيد العمال.. تكريم لأصحاب الأيادي التي صنعت الحضارة
احتفاءً بعيد العمال الذي يوافق الأول من مايو من كل عام، اختارت مجموعة من المتاحف قطعًا أثرية تُبرز قيمة العمل ودور العمال والحرفيين في بناء الحضارات وتطور المجتمعات، خاصة في مصر القديمة التي اعتمدت على مهارة العمال في تشييد المعابد والأهرامات وإتقان الحرف والصناعات المختلفة.

ففي متحف الفن الإسلامي، وقع الاختيار على طبق من الخزف ذي البريق المعدني مزين بزخارف خرافية تعرف باسم "الجرفين"، ويحمل اسم الخزاف الشهير مسلم بن الدهان، في دلالة على مكانة الحرفيين والفنانين خلال العصر الفاطمي.

أما المتحف القبطي فيعرض تاج عمود من دير الأنبا إرميا بسقارة، منحوتًا بزخارف نباتية دقيقة، ليعكس براعة الفنان القبطي وقدرته على المزج بين الرمزية الدينية والفن المصري الأصيل.

وفي متحف المركبات الملكية، تم اختيار مطرقة ومسطرين استُخدما في وضع الحجر النهائي للتعلية الثانية لخزان أسوان في عهد الملك فاروق الأول، في مشهد يوثق ارتباط العمل الوطني بالمشروعات القومية الكبرى.

كما يعرض متحف الشرطة القومي سيفًا عثمانيًا مصنوعًا من الحديد والعاج بزخارف نباتية دقيقة، بينما يقدم متحف ركن فاروق تمثالًا نصفيًا من الرخام الأبيض للملك فؤاد الأول بتوقيع الفنان محمد أفندي رضوان.

وفي سياق إبراز تفاصيل الحياة اليومية والعمل في مصر القديمة، يعرض متحف مطار القاهرة الدولي نموذجًا خشبيًا ملونًا من مقبرة "تاجو" بالأقصر، يجسد خدمًا أثناء إعداد الطعام وصناعة الجعة، بينما يقدم متحف إيمحتب جدارية من الحجر الجيري تصور عمالًا داخل ورشة لصناعة الأواني خلال عصر الدولة القديمة.

وتنوعت القطع المختارة في باقي المتاحف بين تماثيل الأوشابتي في متحف تل بسطة، ونموذج محراث زراعي في متحف السويس، ومركب صيد خشبي في متحف الإسماعيلية، فضلًا عن إناء أثري من الألباستر في متحف الإسكندرية القومي يعود لعصر الملك زوسر.

كما اختار متحف المجوهرات الملكية ميدالية ذهبية تذكارية توثق إنشاء قناطر محمد علي، بينما عرض المتحف اليوناني الروماني تمثالًا صغيرًا لعامل يحمل مطرقة، في تجسيد للفن المرتبط بالحياة اليومية خلال العصر الهلنستي.

وفي جنوب سيناء، يعرض متحف شرم الشيخ تمثالًا لخادمة أثناء إعداد الجعة، بينما يقدم متحف ملوي كتلة حجرية من "التلاتات" تصور عمالًا أثناء تقطيع الأحجار.

كما يشارك متحف الأقصر للفن المصري القديم بقطعة أوستراكا تحمل مخططًا لمقبرة ملكية، فيما يعرض متحف سوهاج القومي تمثال أوشابتي ملونًا من الحجر الجيري، ويقدم متحف التحنيط نموذجًا لمركب جنائزي يعكس طقوس نقل المتوفى عبر النيل.

- الأسرة في الحضارة المصرية.. روابط إنسانية خالدة

وبمناسبة اليوم العالمي للأسرة، الذي يُحتفل به في 15 مايو من كل عام، اختارت مجموعة أخرى من المتاحف قطعًا وصورًا تعكس مكانة الأسرة باعتبارها الركيزة الأساسية للمجتمع، وتجسد قيم الترابط والمودة عبر العصور المختلفة.

ففي متحف قصر المنيل، تعرض لوحة زيتية لعائلة الخديوي توفيق تعود إلى عام 1884، بينما يقدم متحف جاير أندرسون صورة عائلية لصاحب المتحف مع أسرته، في مشهد إنساني يعكس دفء العلاقات الأسرية.

أما متحف مطار القاهرة الدولي بمبنى الركاب 2، فيعرض تماثيل عائلية من الجرانيت للكاهن مرنبتاح وأفراد أسرته، في حين يقدم متحف كفر الشيخ جزءًا من باب وهمي يصور المتوفى مع زوجته وأبنائه أمام مائدة القرابين.

كما يعرض متحف الغردقة لوحة جنائزية تُظهر المتوفى مع أسرته في مشهد تعبدي، بينما يقدم متحف مطروح لوحة من الحجر الجيري تصور رجلًا وزوجته وبناتهما أثناء تقديم القرابين، في صورة تؤكد عمق الروابط الأسرية في المجتمع المصري القديم.

ويعكس هذا التنوع في القطع المختارة ثراء المتاحف المصرية وما تضمه من مقتنيات قادرة على سرد قصص الإنسان المصري عبر العصور، سواء في عمله اليومي، أو داخل أسرته، أو في معتقداته وحياته الاجتماعية، بما يجعل المتحف مساحة نابضة بالحياة والمعرفة، وليس مجرد مكان لحفظ الآثار فقط.