في ذكرى رحيل وردة الجزائرية.. صوتٌ عبر الزمن لا يغيب عن الوجدان

وردة الجزائرية
وردة الجزائرية


في مثل هذا اليوم 17 مايو ، تستعيد الساحة الفنية ذكرى رحيل أيقونة الطرب العربي وردة الجزائرية، صاحبة الصوت الدافئ والإحساس الاستثنائي، التي تركت بصمة خالدة في تاريخ الغناء العربي، بعدما صنعت على مدار عقود رحلة فنية استثنائية تعاونت خلالها مع كبار الملحنين والشعراء، وقدمت أعمالًا لا تزال حاضرة في ذاكرة الجمهور حتى اليوم.

وُلدت وردة، واسمها الحقيقي وردة فتوكي، في 22 يوليو عام 1939 بفرنسا، لأب جزائري وأم لبنانية، ونشأت وسط أجواء فنية ساعدت في اكتشاف موهبتها مبكرًا، إذ كان والدها يمتلك ملهى فنيًا تُقام فيه الحفلات والسهرات الغنائية، وهناك بدأت خطواتها الأولى نحو عالم الطرب وهي لم تتجاوز العاشرة من عمرها.

وتلقى موهبتها اهتمامًا كبيرًا من المطرب التونسي الراحل الصادق ثريا، الذي آمن بقدراتها الفنية، وساعدها على تطوير موهبتها، حتى أصبحت تقدم فقرة غنائية خاصة بها، تؤدي خلالها أغنيات لكبار نجوم الطرب مثل أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ، قبل أن تبدأ تقديم أغنيات خاصة بها.

انتقلت وردة لاحقًا إلى لبنان برفقة والدتها، وهناك بدأت ملامح نجوميتها تظهر بوضوح، بعدما حققت أغانيها الأولى نجاحًا لافتًا، لتتجه بعدها إلى مصر عام 1960 بدعوة من المخرج والمنتج حلمي رفلة، الذي قدمها سينمائيًا في فيلم ألمظ وعبده الحامولي، لتبدأ مرحلة جديدة من التألق الفني في القاهرة.

وشاركت وردة أيضًا في أوبريت الوطن الأكبر، أحد أبرز الأعمال الوطنية في تاريخ الموسيقى العربية، إلى جانب نخبة من كبار المطربين في ذلك الوقت.

تزوجت وردة لاحقًا من الدبلوماسي الجزائري جمال قصيري، وابتعدت عن الساحة الفنية لعدة سنوات، تفرغت خلالها لحياتها الأسرية وتربية طفليها "رياض" و"وداد"، لكن شغفها بالغناء ظل حاضرًا، ليقودها إلى العودة مجددًا عام 1972 من خلال أغنية “عدنا إليك يا جزائرنا الحبيبة” بالتعاون مع الموسيقار العبقري بليغ حمدي.

ومع عودتها القوية للفن، بدأت واحدة من أشهر قصص الحب في الوسط الفني بزواجها من بليغ حمدي، الذي شكّل معها ثنائيًا فنيًا استثنائيًا، وقدّم لها مجموعة من أنجح أغانيها التي تحولت إلى علامات بارزة في تاريخ الطرب العربي، ورغم انفصالهما لاحقًا، استمر التعاون الفني بينهما لسنوات طويلة.

ومن أبرز محطات مشوارها الغنائي أغنية "أوقاتي بتحلو" التي قدمتها عام 1979 من ألحان سيد مكاوي، بعدما كانت الأغنية مُعدة في الأصل لـ أم كلثوم قبل رحيلها، لتصبح بصوت وردة واحدة من أشهر الأغنيات العربية الخالدة.

كما تعاونت خلال مسيرتها مع كبار الملحنين، من بينهم فريد الأطرش ورياض السنباطي ومحمد الموجي وعمار الشريعي، وقدمت مع صلاح الشرنوبي واحدة من أشهر أغانيها “بتونس بيك”.

ولم يقتصر حضور وردة على الغناء فقط، بل تألقت أيضًا في عالم السينما من خلال عدة أفلام، أبرزها حكايتي مع الزمان وآه يا ليل يا زمن، حيث نالت إشادة نقدية واسعة بأدائها التمثيلي إلى جانب الفنان رشدي أباظة.

وفي سنواتها الأخيرة، واجهت الفنانة الكبيرة أزمة صحية صعبة بعد إصابتها بمشكلات خطيرة في الكبد، وخضعت لعملية زرع كبد ناجحة في فرنسا عام 2001، قبل أن تعود مجددًا إلى جمهورها وتواصل نشاطها الفني.

وفي 17 مايو عام 2012، رحلت وردة الجزائرية عن عمر ناهز 73 عامًا إثر أزمة قلبية داخل منزلها بالقاهرة، لتنتهي رحلة واحدة من أعظم الأصوات النسائية في تاريخ الغناء العربي، بينما بقيت أعمالها حيّة في قلوب الملايين من عشاق الطرب الأصيل.

ورغم مرور السنوات على رحيلها، لا يزال صوت وردة الجزائرية حاضرًا بقوة، تتناقله الأجيال وتعيد اكتشافه مع كل أغنية، لتظل رمزًا للفن الراقي والإحساس الصادق، وواحدة من أهم أيقونات الموسيقى العربية التي لن تتكرر.