مديرة «الصحة العالمية» للاقليم: العالم يمر بأعمق إعادة تشكيل للنظام الصحي

منظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط
منظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط


أكدت حنان حسن بلخي، المديرة الإقليمية لـ منظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط، أن العالم يعيش حاليًا واحدة من أعمق مراحل إعادة تشكيل منظومة الصحة العالمية منذ عام 1945، مشددة على أن استمرار التقدم الصحي عالميًا يتطلب مصارحة كاملة بالواقع، وجرأة في مواجهة التحديات الهيكلية والتمويلية التي تعصف بالنظام الصحي الدولي.

جاء ذلك خلال كلمتها في جلسة الإحاطة المفتوحة بعنوان: «هل يمكن أن تحرز الصحة العالمية تقدمًا في خضم هذا التمزق؟»، والتي عُقدت تمهيدًا لـ جمعية الصحة العالمية التاسعة والسبعين، اليوم السبت 17 مايو 2026.

وقالت بلخي، إن النظام الحالي للصحة العالمية، رغم نجاحه على مدار العقود الماضية في تحقيق إنجازات كبيرة بمجالات التمنيع ومكافحة الأمراض وتحسين صحة الأمهات والأطفال والاستجابة للطوارئ، إلا أنه أصبح يعاني من التشتت والتداخل والتنافس نتيجة تراكم المبادرات وآليات التمويل والشراكات المتعددة.

وأضافت أن منظمة الصحة العالمية، ليست بمنأى عن هذا النقد، مؤكدة أن أي إصلاح حقيقي يجب أن يبدأ بالمصارحة والاعتراف بأوجه القصور داخل المنظومة ذاتها.

3 محاور رئيسية لإصلاح الصحة العالمية

وأوضحت بلخي أن إصلاح منظومة الصحة العالمية يجب أن ينطلق من ثلاثة محاور أساسية، تشمل:

الواقع الذي تعيشه الدول.

مراجعة أداء المؤسسات الدولية وآليات مساءلتها.

إصلاح منظومة التمويل الصحي العالمي.

وأشارت إلى أن إقليم شرق المتوسط يُجسد بوضوح حجم التفاوت العالمي، إذ يضم دولًا تعاني أنظمة صحية هشة وصراعات ونزوحًا جماعيًا، إلى جانب دول تمتلك من أكثر النظم الصحية تطورًا عالميًا.

وأكدت أن قضايا الحوكمة الصحية لم تعد نقاشات نظرية، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بقدرة الدول الهشة على الحصول على دعم مستدام، وضمان حصول اللاجئين والنازحين على الخدمات الصحية، فضلًا عن تمكين الدول من إنتاج اللقاحات والعلاجات محليًا بدلًا من الاعتماد الكامل على الخارج.

انتقاد لتعدد الجهات الفاعلة وتضارب الأدوار

وشددت بلخي على أن منظومة الصحة العالمية لم تعد تُدار فقط عبر وكالات الأمم المتحدة، بل أصبحت تضم كيانات وتحالفات دولية عديدة، مثل تحالف غافي، والصندوق العالمي، إلى جانب المؤسسات الخيرية الكبرى، وهو ما خلق تباينًا في الحوكمة والتمويل والمساءلة.

وأضافت أن الدول لا تطالب اليوم بمزيد من مبادرات الإصلاح بقدر ما تطالب بالاتساق وتوحيد الجهود، مشيرة إلى أن المجلس التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية كلّف المنظمة بإطلاق عملية مشتركة تجمع الدول الأعضاء والشركاء ومنظمات المجتمع المدني بهدف توحيد مسارات الإصلاح المختلفة ضمن خطة أكثر اتساقًا.

التمويل.. جوهر الأزمة

وفيما يتعلق بالتمويل، كشفت بلخي أن الاشتراكات الإلزامية للدول الأعضاء كانت تمثل فقط 12% من ميزانية منظمة الصحة العالمية عام 2021، بينما تعتمد المنظمة حاليًا بأكثر من 80% على تبرعات طوعية موجهة من المانحين.

وأوضحت أن هذا الوضع أدى إلى تراجع مرونة المنظمة، وأضعف قدرة الدول على قيادة أولوياتها الصحية الوطنية، معتبرة أن انسحاب الولايات المتحدة من التمويل يمثل جرس إنذار حقيقيًا بشأن فقدان النموذج الحالي لشرعيته واستدامته.

وأكدت أن إصلاح الصحة العالمية لم يعد مرتبطًا فقط بالتنسيق، بل بموازين القوة نفسها، متسائلة: «من يحدد الأولويات؟ ومن يتحكم في التمويل؟ ومن يقرر ما الذي يتم تمويله وما الذي يتم تجاهله؟».

دعوة لمنح الدول دور القيادة

وشددت المديرة الإقليمية على أن التعددية لن تستمر إذا شعرت الدول بأن القرارات تُفرض عليها، مؤكدة ضرورة أن تركز المؤسسات العالمية على الأدوار التي لا تستطيع الدول القيام بها منفردة، مثل وضع المعايير الدولية، والرصد، والتأهب للطوارئ، وضمان العدالة في إتاحة الابتكارات الطبية.

وأضافت أن القرارات المتعلقة بالخدمات الصحية والسياسات الوطنية يجب أن تبقى بيد الدول نفسها، مع توجيه الدعم الدولي بما يتوافق مع الخطط الوطنية وليس وفق أولويات المانحين.

كما دعت إلى إشراك المجتمعات المحلية والشباب ومنظمات المجتمع المدني بصورة فعلية في إعادة تصميم النظام الصحي العالمي، وليس بشكل رمزي فقط.

تحديات المستقبل تفرض نموذجًا جديدًا

وأكدت بلخي أن التغير المناخي، وشيخوخة السكان، ومقاومة مضادات الميكروبات، والأمراض غير السارية، والصحة النفسية، أصبحت تحديات رئيسية ترسم مستقبل الصحة العالمية، معتبرة أن أي نظام لا يمنح هذه الملفات تمويلًا وهيكلًا واضحًا لا يمكن اعتباره إصلاحًا حقيقيًا.

واختتمت كلمتها بالتأكيد على أن دول الجنوب لم تعد تطالب فقط بمقعد على طاولة صُممت في مكان آخر، بل تسعى للمشاركة في تصميم الطاولة نفسها، معتبرة أن الفرصة الحالية تمثل لحظة فارقة لبناء نظام صحي عالمي أكثر عدالة وتوازنًا يعكس واقع العالم اليوم واحتياجاته الفعلية.