دخل رئيس الوزراء البريطانى وزعيم حزب العمال كير ستارمر أخطر مرحلة سياسية منذ وصوله إلى السلطة بعد الانتخابات العامة عام 2024، وذلك عقب النتائج الكارثية التى مُنى بها الحزب فى الانتخابات البلدية الأخيرة فى إنجلترا، والتى كشفت عن حالة غضب شعبى واسعة ضد الحكومة، وأعادت إلى الواجهة أسئلة جوهرية بشأن مستقبل قيادة ستارمر للحزب والبلاد معًا.
ولم تكن الهزيمة فى الانتخابات المحلية مجرد خسارة تقليدية، بل اعتبرها مراقبون مؤشرًا على تصدع مبكر فى شعبية حكومة لم يمض على وجودها فى السلطة سوى أقل من عامين، فقد خسر حزب العمال 1500مقعد وعددًا من المجالس التى كانت تُعتبر معاقل تاريخية له، خصوصًا فى شمال إنجلترا ووسطها، علاوة على فقد الحزب السلطة فى ويلز لأول مرة منذ تأسيس البرلمان الويلزى، وسجل أسوأ نتيجة فى تاريخه بانتخابات البرلمان الاسكتلندى، بينما حقق حزب الإصلاح البريطانى بقيادة نايجل فاراج اختراقًا واسعًا على حساب الحزبين التقليديين، العمال والمحافظين.
ولم تعد الأزمة الحالية داخل حزب العمال مجرد تذمر محدود، بل تحولت إلى تمرد سياسى واضح داخل الكتلة البرلمانية للحزب، حيث تحدثت تقارير صحفية بريطانية عن أن أكثر من 80 نائباً عمالياً طالبوا ستارمر بالتنحى أو بوضع جدول زمنى لرحيله، فى حين استقال عدد من الوزراء والمسئولين الحكوميين احتجاجًا على طريقة إدارة الحكومة لهذه الأزمة السياسية.
ورغم أن ستارمر رفض الاستقالة من منصبه بشكل قاطع، وأكد خلال اجتماع حكومى أنه لن يهرب من المسئولية، فإن حجم التمرد الداخلى يعكس حالة غير مسبوقة من الانقسام داخل الحزب، بل إن بعض النواب بدأوا بالفعل الحديث علنًا عن ضرورة إيجاد بديل قبل الانتخابات العامة المقبلة.
وفى المقابل، يحاول مؤيدو رئيس الوزراء التقليل من خطورة الوضع، مشيرين إلى أن الأنظمة الداخلية لحزب العمال تجعل الإطاحة بالزعيم عملية معقدة إذ نادرًا ما يُعزل زعيم منتخب عبر تحرك داخلى سريع، وغالبًا ما تأتى الاستقالات نتيجة ضغوط سياسية وانتخابية متراكمة، كما أن أى مرشح محتمل يحتاج إلى دعم عدد كبير من النواب لفتح معركة القيادة.
لكن المشكلة الحقيقية التى تواجه ستارمر تكمن فى أن أسماء البدلاء بدأت تُطرح بجدية داخل الأوساط السياسية والإعلامية البريطانية حيث يُنظر لوزير الصحة ويس ستريتينج باعتباره أبرز المرشحين المحتملين، وقد دعى بالفعل إلى انتخاب قيادة جديدة وتتضمن أسماء المرشحين المحتملين أيضًا اسم نائبة ستارمر السابقة أنجيلا رينر، إضافة إلى عمدة مانشستر الكبرى آندى بورنهام الذى يحظى بشعبية داخل القواعد العمالية التقليدية.
ويبدو أن صعود حزب الإصلاح البريطانى يمثل العامل الأخطر فى الأزمة الحالية، فالحزب الشعبوى اليمينى تمكن من جذب قطاعات من الناخبين العماليين السابقين، خاصة فى المناطق الصناعية الفقيرة التى كانت تشكل تاريخيًا العمود الفقرى لحزب العمال، وقد اعتبر نايجل فاراج أن نتائج الانتخابات الأخيرة تمثل إعادة تشكيل كاملة للسياسة البريطانية، فى إشارة إلى انهيار الثنائية التقليدية بين العمال والمحافظين.
ويثير هذا التحول مخاوف عميقة داخل حزب العمال من تكرار سيناريو الانهيار الذى تعرض له الحزب فى الانتخابات العامة عام 2019 عندما خسر جزءًا كبيرًا من قاعدته فى شمال إنجلترا لصالح المحافظين، لكن الفارق هذه المرة أن التهديد لا يأتى فقط من اليمين المحافظ، بل أيضًا من حزب شعبوى قادر على استثمار الغضب الشعبى تجاه النخب السياسية التقليدية.
ورغم كل هذه الضغوط، لا يزال ستارمر يمتلك بعض عناصر القوة، فحتى الآن لا يوجد منافس قادر على توحيد مختلف أجنحة الحزب ضده، كما أن جزءًا كبيرًا من الوزراء والنواب يخشى أن يؤدى إسقاطه إلى فوضى سياسية تعيد المحافظين أو تعزز صعود حزب الإصلاح، ولهذا وقّع أكثر من 100 نائب عمالى بيانًا يدعو إلى الحفاظ على وحدة الحزب ورفض أى محاولة انقلابية فى الوقت الحالى.
لكن الواضح أن ستارمر لم يعد ذلك الزعيم الذى لا يمكن المساس به، فقد كشفت الانتخابات البلدية الأخيرة هشاشة القاعدة الشعبية للحكومة، وأظهرت أن الفوز الساحق فى الانتخابات العامة لم يتحول إلى ولاء سياسى دائم، كما أن التحديات الاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب صعود الشعبوية اليمينية، تجعل موقعه أكثر ضعفًا مما كان عليه قبل أشهر قليلة فقط.
وفى حال استمرت استطلاعات الرأى فى التراجع، أو تعرض الحزب لهزائم إضافية فى الانتخابات المحلية والبرلمانية المقبلة، فقد يجد حزب العمال نفسه مضطرًا لفتح ملف القيادة بشكل جدى، خصوصًا إذا اقتنع النواب بأن ستارمر لم يعد قادرًا على الفوز بولاية ثانية.
اختبار صعب للهدنة| ضربات أمريكية - إيرانية متبادلة.. وأضرار بمطار الكويت
تصعيد بلا توقف| مايو الأكثر دموية فى غزة منذ بداية العام
ثلاثية حرب لبنان| مفاوضات.. مخطط إسرائيلى للجنوب.. وانزعاج أمريكى من تل أبيب







