كنوز المتحف المصري.. أواني الزيوت تكشف أسرار الحضارة الفرعونية

أواني الزيوت
أواني الزيوت


لم تكن الزيوت والعطور عند المصريين القدماء مجرد أدوات للزينة أو التجميل، بل كانت جزءًا من العقيدة والحياة اليومية وطقوس الخلود، ومن بين الكنوز التي يحتفظ بها المتحف المصري بالقاهرة، تبرز مجموعة نادرة من الأواني المصنوعة من الألباستر، خُصصت لحفظ الزيوت العطرية المقدسة التي استخدمت في الطقوس الدينية والتحنيط والتجميل الملكي.

 هذه الأواني لا تكشف فقط براعة المصري القديم في الصناعة، بل تفتح بابًا واسعًا لفهم عالم كامل من الأسرار الروحية والاقتصادية والطبية التي ارتبطت بالعطور والزيوت في الحضارة المصرية القديمة.

 

◄ أواني الزيوت والعطور.. كنوز صامتة تحكي أسرار الحضارة

 

تُعد الأواني المخصصة لحفظ الزيوت والعطور من أبرز القطع الأثرية التي تكشف جانبًا مهمًا من الحياة اليومية والدينية عند المصريين القدماء، حيث أولوا اهتمامًا بالغًا بالعطور والزيوت الطبيعية، واستخدموها في الطقوس المقدسة، والتحنيط، والعلاج، والتجميل، وحتى في الحياة الملكية داخل القصور والمعابد.

ومن بين مقتنيات المتحف المصري بالقاهرة مجموعة مميزة من الأواني ذات الأغطية المصنوعة من حجر الألباستر، والتي خُصصت لحفظ الزيوت والدهانات العطرية. وقد اكتشف علماء الآثار بقايا مواد عطرية داخل بعض هذه الأواني، ما يؤكد استخدامها الفعلي في حفظ العطور والزيوت الثمينة.

 

◄ اكتشافات دهشور تكشف استخدامات الزيوت عند الفراعنة

 

ترجع هذه المجموعة الأثرية إلى عصر الدولة الوسطى، خلال الفترة ما بين 2050 و1786 قبل الميلاد، وقد عُثر عليها أثناء حفائر منطقة دهشور، إحدى أهم المناطق الأثرية المرتبطة بالأهرامات والجبانات الملكية جنوب الجيزة.

وتُعرض هذه الأواني حاليًا داخل قاعة 27 بالمتحف المصري بالقاهرة، حيث تمثل نموذجًا فريدًا لتطور الصناعات الحجرية الدقيقة عند المصريين القدماء، خاصة في مجال صناعة أواني حفظ السوائل والعطور.

ولم تكن دهشور الموقع الوحيد الذي كشفت حفائره عن أواني الزيوت والعطور، فقد عُثر على نماذج مشابهة في سقارة، واللاهون، وأبيدوس، ووادي الملوك بالأقصر، إضافة إلى مقبرة الملك توت عنخ آمون التي احتوت على عشرات الأواني الخاصة بحفظ الزيوت المقدسة والعطور الملكية.

 

◄ الألباستر.. الحجر المفضل لحفظ العطور المقدسة

 

اختار المصري القديم حجر الألباستر لصناعة أواني الزيوت بسبب خصائصه الفريدة، فهو حجر يتميز بالصلابة واللمعان وسهولة التشكيل، كما يساعد على حفظ درجة حرارة المحتويات داخله، ما يجعله مثاليًا لحفظ الزيوت العطرية الثمينة.

ويُعرف الألباستر المصري بلونه الأصفر المائل للشفافية، وقد اعتبره المصريون القدماء من الأحجار المقدسة النادرة، وكان يُطلق عليه اسم "شس"، واستخدم في صناعة التماثيل الملكية والأواني الجنائزية وموائد القرابين، إلى جانب أواني حفظ العطور والزيوت.

 

◄ أين كانت محاجر الألباستر في مصر القديمة؟

 

عرف المصريون القدماء استخراج الألباستر منذ عصور ما قبل الأسرات، واستخرجوه من عدة محاجر امتدت من إسنا جنوبًا حتى حلوان شمالًا، لكن أشهر هذه المحاجر كانت منطقة حتنوب جنوب تل العمارنة بمحافظة المنيا، والتي اعتبرت أكبر مركز لاستخراج الألباستر في مصر القديمة.

 

اقرأ ايضا| الألباستر ولغة الخلود.. كيف جسد الفن المصري رحلة الملوك نحو الأبدية؟

 

وقد كشفت الدراسات الأثرية أن المصريين القدماء أنشأوا طرقًا خاصة لنقل كتل الألباستر الضخمة من المحاجر إلى الورش والمعابد، وهو ما يعكس مدى التنظيم الهندسي والإداري المتقدم في ذلك العصر.

 

◄ الزيوت والعطور في الحياة اليومية والدينية

 

لعبت الزيوت العطرية دورًا أساسيًا في حياة المصريين القدماء، فلم تكن مجرد مواد للتجميل، بل ارتبطت بالمعتقدات الدينية والطقوس الجنائزية، وكان الكهنة يستخدمون الزيوت المقدسة داخل المعابد أثناء الطقوس اليومية الخاصة بتماثيل الآلهة، كما استُخدمت في عمليات التحنيط للحفاظ على الجسد بعد الوفاة.

ومن أشهر الزيوت التي عرفها المصري القديم زيت المور، واللبان، وزيت الزنبق، وزيت الخروع، إضافة إلى خلطات عطرية معقدة كانت تُحفظ داخل أوانٍ محكمة الغلق لحمايتها من التلف والتبخر.

وتشير النقوش المصرية القديمة إلى وجود ورش متخصصة لصناعة العطور والزيوت داخل المعابد والقصور الملكية، كما كانت بعض هذه الزيوت تُستورد من بلاد بونت وبلاد الشام والنوبة.

 

◄ أواني العطور في مقبرة توت عنخ آمون

 

من أبرز الاكتشافات التي تؤكد أهمية الزيوت والعطور عند الفراعنة، العثور على عشرات الأواني المصنوعة من الألباستر داخل مقبرة الملك توت عنخ آمون بوادي الملوك عام 1922، حيث احتوت على بقايا زيوت وعطور استخدمت في الطقوس الجنائزية الخاصة بالملك الشاب.

كما اكتُشفت أوانٍ صغيرة دقيقة الصنع كانت تُستخدم لحفظ الكحل والزيوت التجميلية الخاصة بالملكة وكبار أفراد الأسرة الملكية، وهو ما يعكس مدى تطور صناعة مستحضرات التجميل في مصر القديمة.

 

◄ الأواني الجنائزية ورحلة الخلود

 

لم تقتصر صناعة الألباستر على أواني الزيوت فقط، بل امتدت إلى التوابيت والأواني الكانوبية الخاصة بحفظ أحشاء المتوفى، بالإضافة إلى أدوات الأثاث الجنائزي وموائد القرابين، إذ اعتقد المصري القديم أن هذه الأدوات سترافق المتوفى في رحلته إلى العالم الآخر.

وكانت الزيوت العطرية جزءًا من الطقوس الجنائزية الأساسية، حيث اعتُبرت وسيلة للتطهير والتقديس وضمان البعث والخلود.

 

◄ حرفة مصرية مستمرة عبر الزمن

 

ورغم مرور آلاف السنين، لا تزال صناعة الألباستر واحدة من أشهر الحرف التراثية المصرية، خاصة في محافظتي المنيا والأقصر، حيث يواصل الحرفيون المصريون نحت الأواني والتماثيل بنفس الأساليب التقليدية القديمة التي ورثوها عن أجدادهم الفراعنة.

وتبقى أواني الزيوت والعطور شاهدًا حيًا على عبقرية المصري القديم، الذي استطاع تحويل الأحجار الطبيعية إلى تحف فنية ووظيفية تحمل بين تفاصيلها أسرار الطب والجمال والعقيدة والحياة اليومية في واحدة من أعظم حضارات التاريخ.