فكرتى

دوام الحال من المُحال

صفية مصطفى أمين
صفية مصطفى أمين


الدنيا عوّدتنى أنها لا تركع لإنسان واحد إلى الأبد، هى تلف وتدور، لا تستقر فى مكان واحد، أحيانًا ترفع شخصًا إلى أعلى المناصب ثم تهوى به إلى أسفلها، وأحيانًا تحمل مغمورًا من زوايا النسيان وتسلط عليه الأضواء.


أذكّر نفسى أولًا، ومن يهمنى ثانيًا ألا ينسوا أنهم لن يظلوا دائمًا أقوياء. أحذرهم من غدر الزمن  وتقلباته، وأنبههم أنه لا شىء دائما إلا وجه الله.
صاحب الجاه والمال والمنصب يجب ألا ينسى أن كل شىء يمكن أن يزول فى لحظة، وأن من ينافقه اليوم هو أول من يطعنه فى ظهره إذا فقد صولجانه، وأن من يهتفون بحياته سوف يهتفون بسقوطه إذا تبدلت أحواله. لا يمكن لمنافق أن يخدع  إلا بعض الوقت، ثم تتضح حقيقته، وتظهر صورته السيئة ومساوئه على الملأ! 


هؤلاء البشر موجودون فى كل زمان ومكان، لا يختشون أبدا، بل يرضيهم أن يقوموا بتمثيل دور المخلصين الأوفياء الذى يحبون ويخدمون بدون مقابل، وعندما تتغير الأحوال وتتبدل الأوضاع يغيْرون جلودهم السميكة بسرعة ويلبسون أقنعة جديدة تتماشى مع تغيير الأوضاع!


أعتقد أن هؤلاء البشر يصدّقون أنفسهم ولا يفهمون نظرة الناس تجاههم، ويتصورون أنهم دائمًا على صواب والآخرون على خطأ.  الآخرون أقل ذكاء ولا يدركون ما استطاعوا وحدهم إدراكه! 


بما أنه لا فائدة من إقناع المنافقين أو تغيير مسارهم، فعلى صاحب السلطة أن يعرف أن المنصب هو الذى يتكلم بعد سقوطه، وأنه عندما يفقد السلطة يفقد الهالة التى من حوله وتقصر قامته ويتضاءل حجمه. فما أكثر الرجال الذين تحولوا إلى أصفار- فى نظر المنافقين - بعد خروجهم من الحكم والسلطان أو خسارة المال.


التاريخ له ذاكرة، والناس لا تنسى فضل المحسنين ولا إساءة الظالمين. يا ليت كل واحد منا يحسب خطواته ويعمل حساب أفعاله ولا يتصور أن ما حققه فى حياته يعود فضله إليه وحده، ويتذكر أن الله هو الذى رفعه إلى القمة، يمكن أن يهوى به فى لحظة إلى سابع أرض.


صاحب الجاه يجب أن يبحث عن الذين سيقفون معه بعد أن يفقد قوته،  ويصبح واحدًا من الناس العاديين.  عليه ألا يغتر بالمظاهر التى تحيط به وهو فى عزه، لأن الناس التى تركع له لا تخافه هو شخصيًا ولكن تخاف السيف الذى فى يده. يجب أن يفكر فى هذا اليوم دائمًا. لا ينساه. يعمل حسابه لأنه قادم لا محالة، لأن دوام الحال من المحال.