فى أوقاتٍ تمتلئ فيها الساحة الدولية بالحروب والأزمات والانقسامات، يصبح لكل كلمة تخرج من قادة العالم وزنٌ مختلف، خاصة إذا صدرت عن ملك يمثل واحدة من أعرق الملكيات فى التاريخ الحديث.
لذلك، بدا المشهد الذى جمع الملك تشارلز الثالث بالرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى البيت الأبيض، محاطًا بالكثير من الجدل، ليس بسبب طرافة الدعابة المتبادلة، ولكن بسبب الرسائل التى كان يمكن أن تُقال ولم تُقَل.
فبينما انشغل العالم بتداول الجملة الساخرة التى رد بها الملك البريطانى على تصريح ترامب حول الحرب العالمية الثانية، أضاعوا فرصة حقيقية لأن يتحول اللقاء إلى مساحة تحمل رسائل سلام وتهدئة فى عالم يزداد توترًا كل يوم.
قد تبدو الدعابة السياسية أمرًا معتادًا فى العلاقات الدولية، وربما تُستخدم أحيانًا لكسر الجمود الدبلوماسى، لكن الملوك تحديدًا لا يُنتظر منهم أن يتصدروا المشهد بخفة الظل فقط، بل بالحكمة والاتزان والقدرة على توجيه الرأى العام نحو القيم الكبرى، فالتاريخ لا يتذكر الملوك بسبب النكات العابرة، بقدر ما يتذكرهم بسبب المواقف التى انتصروا فيها للإنسانية والسلام.
والشىء الأكثر غرابة حقيقة هو أن هذا الأسلوب معلوم عن الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، ولكن رد ملك بريطانيا سليل الملكية البريطانية هو غير المتوقع أو يمكن أن نتخيله.
كان من الممكن أن يستغل الملك تشارلز هذا اللقاء ليبعث برسالة مختلفة إلى العالم؛ رسالة تتحدث عن ضرورة وقف الحروب، أو عن أهمية التعايش بين الشعوب، أو حتى عن مسئولية القوى الكبرى تجاه الأزمات الإنسانية الممتدة من غزة إلى أوكرانيا وغيرها من مناطق الصراع. فالعالم اليوم لا يحتاج إلى استدعاء صراعات الماضى بقدر ما يحتاج إلى صناعة مستقبل أقل عدائية وأكثر إنصافًا.
إن أسلوب الملوك الحقيقى لا يقوم على تسجيل «لقطة رائجة» تتصدر مواقع التواصل الاجتماعى لساعات، وإنما على امتلاك القدرة على تهدئة الخطاب السياسى المتوتر، وإعلاء لغة الاحترام والتقارب بين الشعوب. فالملكية، فى جوهرها الرمزى، ليست مجرد مؤسسة بروتوكولية، بل نموذج للرصانة والدبلوماسية الهادئة.
وربما كانت المشكلة الأكبر أن هذا النوع من التصريحات الساخرة يعكس كيف أصبحت السياسة الدولية، فى كثير من الأحيان، أقرب إلى عروض إعلامية، تُقاس بتفاعل الجمهور على الإنترنت أكثر مما تُقاس بتأثيرها الحقيقى على القضايا الإنسانية الكبرى.
لقد كان العالم ينتظر من لقاء يجمع ملك بريطانيا ورئيس الولايات المتحدة رسالة تليق بحجم الأزمات الدولية الراهنة، لا مجرد تبادل ساخر يعيد إنتاج تنافسات تاريخية انتهى زمنها. فحين يتحدث الملوك، يجب أن يشعر الناس بالأمان والحكمة، لا أن يتحول التاريخ إلى مادة للمداعبة السياسية العابرة.
بالإضافة إلى أن هذا المشهد يثير بالنسبة لنا تساؤلًا مهمًا حول الرسائل غير المباشرة التى يحملها التنابز بالألفاظ أو السخرية السياسية المتبادلة بين القادة، حتى وإن جاءت فى إطار الدعابة، فهل المقصود هو استعراض التفوق التاريخى والسياسى؟ أم محاولة كسب تعاطف الجماهير عبر لقطات خفيفة وسريعة الانتشار؟ أم أن السياسة الدولية أصبحت تعتمد أحيانًا على التأثير الإعلامى أكثر من اعتمادها على الرسائل الدبلوماسية العميقة؟
فى الواقع، هذا النوع من الخطاب قد يبدو بسيطًا أو عابرًا، لكنه يعكس طبيعة المناخ السياسى السائد، حيث تتحول اللقاءات الرسمية أحيانًا من منصات لصناعة التفاهم إلى مساحات للمكايدة المختفية وراء ستار الدعابة والسخرية واستدعاء صراعات التاريخ. بينما كان الأولى والأفضل أن تُستخدم الكلمات لإرسال رسائل تهدئة واحترام متبادل، خاصة فى عالم يعيش حالة غير مسبوقة من التوتر والانقسام».
والسؤال الذى يفرض نفسه هنا: ما المردود الحقيقى لمثل هذه الزيارات على سلام العالم؟ هل خرجت الشعوب برسالة طمأنينة؟ هل اقتربت الحروب من نهايتها؟ هل شعر المدنيون الذين يعيشون تحت القصف أو الفقر أو النزوح أن القوى الكبرى تتحرك جديًا لإنقاذهم؟ الحقيقة أن العالم لم يرَ من الزيارة سوى مشاهد بروتوكولية وعبارات ساخرة تصدرت مواقع التواصل لساعات، بينما بقيت الأزمات الدولية كما هى، دون حلول واضحة أو مبادرات حقيقية للتهدئة.
فالقيمة الحقيقية للقاءات القادة لا تُقاس بعدد الصور الرسمية أو اللقطات المتداولة، بل بما تحمله من تأثير فعلى على حياة البشر. العالم اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الاستعراض السياسى، بل إلى مواقف جادة تعيد الاعتبار لمعنى السلام، وتمنح الشعوب أملاً فى أن الدبلوماسية ما زالت قادرة على حماية الإنسان، لا مجرد صناعة العناوين الإعلامية.»

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







