«الشهادة الذهبية» «1/3»

د . إسلام جمال الدين شـوقى
د . إسلام جمال الدين شـوقى


مقترح لربط المعاشات بالذهب عبر البورصة لمواجهة «غول التضخم» لإعادة هيكلة ذكية لا تكلف الموازنة جنيهًا واحدًا.. تخفض كلفة الدين العام وتنقل مخاطر السيولة إلى آلية السوق.

يقف نظام المعاشات الآن أمام منعطف تاريخى حاسم يتطلب شجاعة استثنائية ورؤية تقنية فى طرح الحلول الهيكلية التى تضمن استدامة الأمان الاجتماعي؛ ذلك أن صندوق المعاشات الذى يدير محفظة هائلة تقدر قيمتها بمئات المليارات، يجد نفسه محاصرًا بين تحديين يهددان جوهر استقراره المالي:

التحدى الأول:


هو «أزمة سيولة هيكلية» ناتجة عن ضغوط التزامات قصيرة الأجل متمثلة فى المعاشات الشهرية، التى تضع ضغطًا متزايدًا على التدفقات النقدية للصندوق.


ولقد حذر الدكتور محمد معيط فى رسالته لنيل درجة الدكتوراه من جامعة سيتى بلندن عام 2003م، بعنوان «نمذجة الإسقاط والتقييم الاكتوارى لنظام التأمينات الاجتماعية والمعاشات فى مصر» من احتمال تحول العجز الجارى إلى عجز دائم ما لم تعالج الأسباب الجذرية، كما كشفت عن الآثار الناتجة عن الخلل الهيكلى فى توازن التدفقات النقدية الممتدة حتى اليوم، مما يهدد الحفاظ على القوة الشرائية.

التحدى الثانى:

فهو التضخم «العدو الخفي» الذى ينهش قيمة المدخرات، فيتمثل فى تآكل القيمة الحقيقية للأصول طويلة الأجل. إن المعضلة الاستثمارية الكبرى تكمن فى استثمار الأموال التى لن يحتاجها الصندوق إلا بعد عقدين فى أدوات دين قصيرة الأجل، مما يجعلها عرضة لخسارة محققة أمام خطر التضخم المزمن الذى أضعف القوة الشرائية للجنيه المصرى خلال العقد الماضى بصورة لافتة.

ويقدم هذا المقترح أداة مالية تسد هذه الفجوة وذلك عن طريق شهادة حكومية مرتبطة بالذهب تصدرها وزارة المالية، ويشتريها الصندوق بوصفه مستثمرًا مؤسسيًا، ويتم تداولها فى البورصة المصرية. وهذه الشهادة ليست بديلًا عن أذون الخزانة، بل هى «أداة تكميلية» تستهدف الشريحة المتوسطة والطويلة الأجل من محفظة الصندوق (5-8%)، لتوظيف الأموال التى لن يحتاجها الصندوق إلا بعد 10 إلى 15 سنة فى أصل حقيقى يحميها من تآكل التضخم بصورة مستدامة وعادلة.

إن المنطق الداخلى لهذه الرؤية يستند إلى فهم التوزيع الزمنى لالتزامات الصندوق؛ فالالتزامات فى أول 5 سنوات تمثل نحو 30% وتتطلب سيولة عالية، لذا لا يمكن تخصيصها لاستثمارات طويلة الأجل. أما الفترة من 6 إلى 15 سنة، فهى تضم الجزء الأكبر بنحو 40%، وهى المرحلة المثالية للشهادة الذهبية؛ إذ يستطيع الصندوق توظيف أموالها فى شهادات بآجال تتراوح بين 10 و15 سنة لأن السيولة لن تكون مطلوبة قبل ذلك. وترك هذه الأموال فى أدوات اسمية يعنى تآكلًا سنويًا بنسبة 15% من القيمة، وهى خسارة لن يعوضها أى سعر فائدة مهما ارتفع، فكل شهر يمر يزيد تكلفة الانتظار على المدى البعيد.

ولقد أثبت صندوق الذهب التابع لمجلس الوزراء، الذى أتاح تجزئة السبائك للأفراد بمدخرات بسيطة محققًا 30 مليار جنيه، ثقة المصريين فى الذهب. وهذا النجاح هو الركيزة لنقل التجربة من الأفراد إلى المستوى المؤسسى لحماية معاشاتهم.

والرسالة للشارع:


«أموال معاشاتكم ليست فى خطر، ولكن قيمتها الحقيقية تتداعى»، والشهادة هى الدرع لحمايتها.

ولصانع القرار:


فهذه الفكرة لا تطلب إنفاق جنيه، بل هى إعادة هيكلة للأدوات القائمة تهدف إلى نقل مخاطر السيولة من الميزانية إلى السوق عبر البورصة، وتطيل عمر الدين بتكلفة أقل. ولكن، كيف سيعمل «المثلث الذهبي» فعليًا بين وزارة المالية وصندوق المعاشات والبورصة؟ وكيف نضمن ألا تظل هذه الرؤية مجرد حلم نظرى بعيد عن التطبيق؟ هذا ما سنفكك شفرته المالية فى المقال القادم.


خبير اقتصادى وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسى