لم تكن مجرد حصة دراسية عابرة تلك التى جمعتهما ذات يوم، بل كانت بذورًا من فصحى وشعر نُثرت فى قلبٍ غض. تمر السنوات، ويظل صدى صوته وهو يتحدث عن سحر اللغة عالقاً فى الزوايا، حتى حانت لحظة اللقاء من جديد.
جاءت تتهادى على استحياء، تحمل فى يدها هديّة غُلّفت بتقديرٍ يفوق حجمها. قالت بصوتٍ يملؤه الاحترام:
«تفضل أستاذي.. هدية بسيطة.»
بابتسامة المعلم الأب، شكرها وأثنى على رقيّ اختيارها، لكنّ الدهشة الحقيقية كانت تنتظره خلف طيات الورق. فبينما كان يتأمل مسبحةً طويلة مميزة، انسلّ خطابٌ رقيق ليحكى قصة إلهام لم يدرك مداها إلا الآن. تعثّرت عيناه بكلماتها التى كُتبت بمداد القلب:
«إلى معلمى وأستاذي.. أشكر لكم دعمكم وجهدكم الوفير الراقي. أذكر أنك يوماً زرتَ الصف، وحدثتنا عن اللغة والشعر، فتمنيتُ لو أنك معلمي.. لكن يكفى أنك ألهمتنى لأكون اليوم معلمة.»
توقف الزمن للحظة عند تلك الجملة؛ فالمعلم الذى جاء ليُعلّم، صار هو نفسه «الدّرس». لم يعد الأمر مجرد انتقال للمعلومات، بل كان انتقالاً للشعلة. ما أجمل بر الأبناء، لكنّ بر التلاميذ له طعم الخلود؛ حين تتحول رؤيتك إلى عقيدة مهنية يعتنقها غيرك، ويصبح السؤال عنك «فريضة أسبوعية» فى محراب الوفاء.
لقد أهدته مسبحةً ليسبح بها، وأهدته هى أعظم من ذلك: امتدادا لرسالته فى روح معلمةٍ جديدة.
لم تكن تلك المسبحة مجرد حباتٍ منثورة فى خيط، بل كانت «قلادة شرف» طوّقت عنق اللحظة، فكل حبة فيها تروى فصلاً من فصول العطاء الصامت. تأمل المعلم تلك الأحرف التى سطرتها تلميذته، فشعر وكأن جدران القاعة الدراسية القديمة تتنفس من جديد، تعيد إليه صدى تلك المحاضرات التى كان يلقيها بشغف، وظنّ حينها أنها تذهب مع الريح، فإذا بها تنبت فى الوجدان بساتين من طموح.
إن أعظم مكافأة يقتنصها المرء من وعثاء الطريق، هى أن يرى غراسه قد استوى على سوقه، ليس كمتلقٍ فحسب، بل كحاملٍ للراية.
لقد أدرك فى تلك اللحظة أن «الكلمة» التى يلقيها المعلم ليست صوتا ينتهى بانتهاء الحصة، بل هى كائن حيّ، يسافر عبر الزمن، يستقر فى المسامات، ويصيغ هوية الأجيال.
أن تختار تلميذته أن تكون «معلمة» لأنها رأت فيه النموذج والمثال، فهذا هو الفوز الذى لا تضاهيه ألقاب، والخلود الذى لا يبليه غياب.
تلك التلميذة التى جاءت تحمل «الوفاء» قبل «الهدية»، أثبتت أن مهنة التعليم ليست وظيفة نتقاضى عليها أجرا، بل هى «رسالة» نتقاضى عليها عمرا من الحب والدعاء. لقد تحولت «المسبحة» بين يديه إلى محرابٍ للذكر، ليس فقط تسبيحًا للخالق، بل ترتيلاً لآيات الشكر على نعمة التأثير، واسترجاعًا لكل لحظة تعب ذابت أمام صدق هذا الامتنان.
وهكذا، تظل العلاقة بين المعلم وتلميذه رباطا مقدسا يتجاوز حدود الزمن والمكان؛ فالمعلم الحقيقى لا يملأ العقول فحسب، بل يضيء القناديل فى الممرات المظلمة. إن هدية تلك المعلمة الشابة لم تكن مجرد مسبحة وخطاب، بل كانت إعلانا صريحا بأن «النور» لا ينطفئ، وأن الأمانة قد انتقلت من يدٍ أمينة إلى يدٍ وفية، ليبقى عطر الكلمة فواحا، وتظل مسبحة الوفاء تدور فى فلك الإبداع، شاهدةً على أن المعلم يبقى دائما هو «النص الأجمل» فى كتاب الحياة.

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







