بكين تستقبل ترامب بـ«دبلوماسية الأماكن».. من المدينة المحرمة إلى معبد السماء

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينج في المدينة المحرمة - 2017
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينج في المدينة المحرمة - 2017


وصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين في زيارة هي الأولى لرئيس أمريكي منذ نحو تسع سنوات، تجمع بين ثقل الملفات الشائكة ورمزية الأماكن العريقة، وكما جرت العادة في الدبلوماسية الصينية، لا يأتي اختيار المواقع صدفةً، بل يحمل كل حجر فيها رسالة سياسية موجَهة بعناية فائقة، تروي صحيفة ساوث تشاينا مورنينج بوست تفاصيلها.

 

حيث يلتقي الكون بالسياسة

بحسب ما أوردته الصحيفة الصينية نقلاً عن نائبة المتحدث الرئاسي الأمريكي آنا كيلي، وصل ترامب إلى بكين مساء الأربعاء، على أن يعقد صباح الخميس مراسم استقبال رسمية ثم لقاءً ثنائياً مع الرئيس شي جين بينج، قبل أن يتوجه الزعيمان معاً إلى معبد السماء "تيانتان"، يتبعها حضور مأدبة عشاء رسمية، فيما يُخصَص يوم الجمعة للقاء على الشاي وغداء عمل بين الرئيسَين.

وقد أعلنت إدارة الحديقة إغلاق الموقع أمام الزوار يومَي 13 و14 مايو، مع منح أصحاب التذاكر المسبقة حق استرداد قيمتها.

والمعبد ليس مجرد وجهة سياحية، إذ انه مجمع ديني إمبراطوري يعود إلى القرن الخامس عشر، يمتد على 273 هكتاراً في الجزء الجنوبي الشرقي من وسط بكين، أي ما يعادل أربعة أضعاف مساحة المدينة المحرمة.

كان أباطرة أسرتَي مينج وتشينج يؤدون فيه طقوس التقرب إلى السماء وطلب الحصاد الوافر، في تجسيد حي للعقيدة الكونية الصينية التي ترى الحاكم وسيطاً بين النظامَين الإلهي والأرضي.

أما الموقع الذي تربطه ذاكرة دبلوماسية أمريكية خاصة، فقد كان وجهة مفضلة لوزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر الذي زاره أكثر من اثنتَي عشرة مرة، وكانت أولى زياراته خلال رحلته السرية إلى الصين عام 1971، التي مهدت لزيارة الرئيس ريتشارد نيكسون التاريخية عام 1972 وانطلاق مسار التطبيع بين البلدين.

 

دروس في دبلوماسية المكان

لم تكن هذه المرة الأولى التي تُوظف فيها بكين إرثها التاريخي ورقةً في الدبلوماسية، ففي زيارة ترامب الأولى عام 2017، استُقبل في المدينة المحرمة بحفاوة غير مسبوقة، وصفتها بكين بـ"زيارة الدولة الزائدة"، إذ التقى شي وزوجته بينج ليوان بترامب وزوجته ميلانيا لجلسة شاي في قاعة "باو يون لو" أو "قاعة الكنوز المجسَدة"، وهو مبنى أُشيد عام 1915 على الطراز الغربي بأموال أرسلتها واشنطن في عهد الرئيس ثيودور روزفلت لتخزين كنوز القصور الإمبراطورية خارج بكين.

وقد شارك ترامب في تلك الجلسة مقطعاً مُصوَراً لحفيدته أرابيلا ترتدي الزي الصيني التقليدي وتنشد أغاني صينية وتتلو أشعاراً كلاسيكية بالماندرين، في لفتة أذابت الجليد الرسمي.

وقد أغلقت المدينة المحرمة أبوابها يومها أمام الزوار العاديين، في سابقة لم تتكرر منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949.

وعلق أستاذ العلاقات الدولية في جامعة رينمين جين كانرونج آنذاك بأن استقبال الضيف في "باو يون لو" يحمل رسالة واضحة مفادها أن التعاون لا المواجهة هو ما تنشده بكين.

أما الرئيس الأسبق باراك أوباما، فقد أجرى في نوفمبر 2014 محادثات شخصية مع شي في جزيرة يينتاي داخل مجمع تشونجنانهاي، مركز السلطة في الصين، استمرت أكثر من أربع ساعات، استعرض فيها شي التاريخ الإمبراطوري للجزيرة وجهود الإصلاح في عهد أسرة تشينج، فرد أوباما بأن الإصلاح في كل العصور يحتاج إلى شجاعة سياسية، لتغدو تلك "الأحاديث المسائية على يينتاي" من أبرز اللحظات الرمزية في تاريخ العلاقات بين البلدين.

ملفات شائكة وبكين تدعو إلى "خيار الحكمة"

تأتي هذه الزيارة في ظل توترات متشعبة تشمل الرسوم الجمركية وملف تايوان والتنافس التكنولوجي المتصاعد، فضلاً عن ملف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران الذي يُرجَح أن يحتل مساحة واسعة في المحادثات.

في هذا السياق، نشرت وزارة الخارجية الصينية يوم الاثنين مقطعاً مصوراً دعت فيه واشنطن إلى "اختيار المسار الصحيح" والتعايش السلمي مع الصين "الجاهزة والمنفتحة"، مؤكدةً أن لا طرف قادر على إعادة تشكيل الآخر، وأن "الخيار الصحيح هو الالتزام بمبدأ الاحترام المتبادل، والتمسك بخط التعايش السلمي، والسعي نحو آفاق تعاون يكسب فيها الجميع"، وفق ما رصدته ساوث تشاينا مورنينج بوست، ومن اللافت أن ميلانيا لن ترافق زوجها في هذه الجولة، على خلاف زيارة 2017.