مسجد شاهين الخلوتي.. حكاية متصوف اعتزل الدنيا فوق جبل المقطم

مسجد شاهين الخلوتي
مسجد شاهين الخلوتي


على سفح جبل المقطم، وبعيدًا عن صخب القاهرة الحديثة، يقف مسجد العارف بالله شاهين الخلوتي شاهدًا صامتًا على قرون من التصوف والزهد والتاريخ الإسلامي العريق.

وبرغم ما يحيط به اليوم من تصدعات وإهمال، لا يزال المسجد يحتفظ بهيبته الروحانية وسحره المعماري، مستحضرًا سيرة أحد أشهر شيوخ التصوف الذين اختاروا العزلة فوق الجبل طلبًا للعبادة والتأمل، ويُعد المسجد أحد الكنوز الإسلامية النادرة التي تجمع بين العمارة الصوفية والطابع الجبلي الفريد، ليبقى رمزًا لتراث روحي وتاريخي يحتاج إلى الإنقاذ والحفاظ.

 

◄ موقع المسجد بين الصخور

 

عند المرور بطريق الأوتوستراد في اتجاه منطقة جبل المقطم، يلفت الانتباه مسجد قديم يبدو وكأنه يقاوم الزمن بصعوبة، يقف أعلى سفح الجبل بمنطقة الأباجية التابعة لحي الخليفة بالقاهرة.

ويقود الطريق إليه عبر مقابر “سيدي عمر”، حيث يبدأ ممر صاعد بين الصخور حتى الوصول إلى مسجد العارف بالله شاهين الخلوتي، شيخ الطريقة الخلوتية الصوفية، التي تقوم على الانقطاع للعبادة والخلوة والتفرغ الكامل للذكر والتأمل.

 

◄ تاريخ التصوف الإسلامي

 

وأكد الدكتور عبد الرحيم ريحان الخبير الأثري ومدير المكتب الإعلامي لـ مجلس الآثاريين العرب، أن مسجد شاهين الخلوتي يُعد من أهم المزارات الصوفية والأثرية المرتبطة بتاريخ التصوف الإسلامي في مصر، لما يحمله من قيمة روحية ومعمارية نادرة، فضلًا عن ارتباطه بإحدى الشخصيات الصوفية التي أثرت الحياة الدينية والفكرية خلال العصر المملوكي والعثماني.

وأوضح ريحان أن المسجد عُرف عبر عقود طويلة بين أتباع الطريقة الخلوتية باعتباره مزارًا روحانيًا ومكانًا للاعتكاف، خاصة خلال العشر الأواخر من شهر رمضان، إلا أن التدهور الكبير الذي أصابه جعله اليوم آيلًا للسقوط، بعد أن لم يتبق منه سوى المئذنة والقبة وبعض الأطلال التي تنتشر بها التصدعات والشروخ.

 

◄ ضريح وثلاثة قبور

 

وأشار إلى أن المسجد مسجل كأثر إسلامي منذ خمسينيات القرن الماضي تحت رقم 212، وكان مقصدًا للعديد من الزوار والسياح من مختلف الدول الإسلامية، خاصة من إندونيسيا وباكستان، نظرًا لمكانته الدينية والتاريخية.

وأضاف أن المسجد بُني عام 945 هـ، ويضم ضريحًا وثلاثة قبور، أكبرها ضريح الشيخ شاهين الخلوتي، بالإضافة إلى قبرَي ابنه جمال الدين شاهين وحفيده محمد جمال شاهين.

ويصل الزائر إلى القبة عبر مزلقان صخري يقود مباشرة إلى باب الضريح، حيث تعلوه لوحة رخامية نُقش عليها: "بسم الله الرحمن الرحيم.. أنشأ هذا الجامع ووقفه العبد الفقير إلى الله جمال الدين عبد الله نجل العارف بالله الشيخ شاهين".

وُلد الشيخ شاهين المحمدي بمدينة تبريز خلال القرن التاسع الهجري، وقضى طفولته وشبابه في بلاد فارس قبل أن يرحل إلى مصر في عهد السلطان الأشرف قايتباي، الذي اشتراه ضمن مماليكه وألحقه بالجندية.

 

◄ الشيخ شاهين يحفر قبره بيده

 

لكن شاهين لم ينسجم مع حياة المماليك والقتال، إذ كان يميل بطبيعته إلى العزلة والهدوء ومجالسة العلماء والفقهاء، فحفظ القرآن الكريم وعددًا كبيرًا من الأحاديث، سواء في فارس أو بعد قدومه إلى مصر، قبل أن يطلب من السلطان السماح له بالتفرغ للعبادة والتصوف، فوافق على طلبه.

واتجه الشيخ شاهين بعد ذلك إلى جبل المقطم، حيث اختار العيش في عزلة كاملة، وبنى لنفسه معبدًا صغيرًا وحفر قبره بيده، لتتحول المنطقة مع الوقت إلى مقصد للزهاد والمتصوفة الذين رأوا في جبل المقطم مكانًا مقدسًا ارتبط بالديانات السماوية والتاريخ الروحي لمصر.

ويحكي أهالي المنطقة أن المسجد كان يخضع قديمًا لزيارات دورية من لجان وزارة الأوقاف وقطاع الآثار الإسلامية، إلا أن تلك الزيارات توقفت منذ سنوات، بينما استمرت حالة التدهور حتى أصبح المسجد مهددًا بالانهيار.

 

◄ الإهمال يتسبب في انهيار أجزاء من المسجد

 

ويقول عم ياسين محمد، أحد سكان المنطقة، إن المسجد تابع لوزارة الأوقاف ومسجل ضمن الآثار الإسلامية، إلا أن الإهمال أدى إلى انهيار أجزاء كبيرة منه، ولم يتبق سوى القبة والمئذنة، رغم أن المسجد شُيّد بالنحت داخل الصخور ويضم ثلاث مقابر تاريخية.

وأضاف أن الصوفيين ما زالوا يزورون المكان للتبرك والصلاة، رغم صعوبة الصعود إلى الجبل وخطورة الطريق المؤدي إليه.

وأشار إلى أن المسجد تحول في السنوات الأخيرة إلى ملجأ لبعض الخارجين عن القانون والهاربين عبر الجبل، كما تعرضت بعض أجزائه ومقتنياته الأثرية للسرقة.

 

◄ قيمة أثرية ومعمارية استثنائية

 

وأكد الدكتور عبد الرحيم ريحان أن المسجد يتميز بطراز معماري فريد يشبه إلى حد كبير المعابد الفرعونية القديمة، إذ يضم صهريجًا للمياه وبيت خلاء وعددًا من المغارات المنحوتة داخل الصخر، بعضها متصل ببعض عبر أنفاق وسلالم محفورة في الجبل، ما يمنحه قيمة أثرية ومعمارية استثنائية.

وأشار إلى أن اختيار الشيخ شاهين لجبل المقطم لم يكن مصادفة، بل جاء لما يحمله الجبل من مكانة كبيرة في كتب التراث الإسلامي، حيث ارتبط بقصص روحية وتاريخية عديدة جعلته مقصدًا للمتصوفة والزهاد عبر العصور.

وظل الشيخ شاهين مقيمًا في خلوته أعلى جبل المقطم لما يقرب من ثلاثين عامًا، لا يغادرها إلا نادرًا، حتى ذاع صيته بين الأمراء والوزراء الذين اعتادوا زيارته طلبًا للبركة والدعاء.

ووصفه عبد الوهاب الشعراني بأنه كان قليل الكلام شديد الزهد، يقضي أيامًا كاملة في الصمت والتأمل، متقشفًا في ملبسه ومعيشته، حتى توفي عام 901 هـ.

واختتم الدكتور عبد الرحيم ريحان تصريحاته بالتأكيد على أن مسجد شاهين الخلوتي يمثل جزءًا مهمًا من التراث الإسلامي والصوفي في مصر، ويحتاج إلى تدخل عاجل لترميمه وإنقاذه من الانهيار، حفاظًا على قيمته التاريخية والمعمارية والروحية للأجيال القادمة.

 

◄ تحفة معمارية نادرة في العمارة الإسلامية

 

ويُعد جامع شاهين الخلوتي اليوم واحدًا من التحف المعمارية النادرة في العمارة الإسلامية المصرية، إذ يجمع بين الطابع الصوفي والبيئة الجبلية والروحانية العميقة. وقد بُني في صورته الحالية خلال العصر العثماني عام 945 هـ، في عهد الوالي داوود باشا الخصي، تكريمًا للشيخ شاهين الخلوتي.

ويتكون المسجد من الضريح الرئيسي وثلاثة قبور، ويضم عناصر معمارية مميزة، منها أربعة أعمدة حجرية وقبلة مزخرفة بالرخام الملون والصدف، بينما تشير النقوش داخل القبة إلى تجديدها عام 1007 هـ. كما كان يحتوي على صهريج مياه وبئر لخدمة الزائرين والمعتكفين، ما يعكس جمال وروعة العمارة الإسلامية في تلك الحقبة.