بقلم: د. أحمد شديد صبرى
د. الاقتصاد الكلى وخبير الشئون الاستراتيجية
يمر الاقتصاد العالمى اليوم بمنعطف تاريخى يفرض على صانعى السياسات النقدية والمالية التخلى عن "كتيبات القواعد" التقليدية التي سادت لعقود. ولم يعد المشهد الاقتصادى يخضع للدورات الكلاسيكية المعتادة بل أصبحنا نعيش في بيئة تتسم بـ "اللانمطية"، حيث تتشابك الضغوط التضخمية الهيكلية مع تباطؤ معدلات النمو، وتتفاقم أزمات الديون السيادية تزامناً مع التحولات الجيوسياسية التي تعيد رسم خريطة سلاسل الإمداد العالمية.
في هذا المقال نحاول تفكيك هذه المشهد المعقد مستعرضين كيف يمكن لهندسة السياسات الكلية أن تتكيف مع واقع يتطلب مرونة فائقة وتنسيقاً غير مسبوق .
أولاً: أزمة النموذج النبؤى وانحسار اليقين لسنوات طويلة
استندت البنوك المركزية والمؤسسات المالية الدولية إلى نماذج قياسية
(Econometric Models) تتوقع سلوك التضخم والنمو بدقة مقبولة
إلا أن الصدمات المتتالية أثبتت قصور هذه النماذج في استيعاب المتغيرات غير الخطية فالتضخم الذي شهده العالم لم يكن مجرد ظاهرة ناتجة عن فائض الطلب، بل كان تضخماً مدفوعاً بجانب العرض نتيجة لتفتت العولمة، وارتفاع تكاليف (Supply-side shocks)
الطاقة، وتسارع وتيرة التغير المناخى. هذا التغير الهيكلى يعني أن أدوات السياسة النقدية التقليدية، وعلى رأسها أسعار الفائدة، أصبحت أقل فاعلية وأكثر كلفة على النمو الاقتصادى والاستقرار المالى، في وقت خفض فيه صندوق النقد الدولى توقعاته لنمو الاقتصاد العالمى إلى 3.1% لعام 2026.
الحل المقترح: لتجاوز هذه الأزمة، يتعين على المؤسسات الدولية والبنوك المركزية الانتقال نحو "النماذج الديناميكية القائمة على السيناريوهات المتعددة" بدلاً من النماذج الخطية الثابتة، مع دمج مؤشرات الوقت الفعلى (Real-time data) كحركة الشحن البحرى وأسعار السلع الأولية اللحظية لضمان الاستجابة السريعة لصدمات العرض المفاجئة
ثانياً: معضلة البنوك المركزية بين كبح التضخم وتفادي الركود
تجد البنوك المركزية الكبرى نفسها اليوم أمام "أحجية معقدة" فمن ناحية يتطلب الحفاظ على مصداقية استقرار الأسعار الإبقاء على معدلات الفائدة فى مستويات تقييدية لفترات أطول. ومن ناحية أخرى، فإن الاستمرار في هذا النهج يهدد بخنق الاستثمارات الخاصة وزيادة تكلفة خدمة الديون للشركات والحكومات، مما يمهد الطريق لركود اقتصادى أو حتى أزمات مالية نظامية. إن الإفراط في التشديد النقدي قد يؤدي إلى ما يُعرف بـ "الهبوط الصلب "
ومع عودة معدلات التضخم السنوية للارتفاع في اقتصادات كبرى مثل الولايات المتحدة لتسجل قرابة 3.3% متأثرة بأسعار الطاقة والتوترات، فإن البنوك المركزية بحاجة إلى الانتقال من مرحلة "العلاج بالصدمة" إلى مرحلة "الجراحة الدقيقة".
الحل المقترح: يكـمن المخرج هنا في تبنى مفهوم "التشـديد النقدى المستهدف"؛
أى الحفاظ على أسعار فائدة مرتفعة عموماً للسيطرة على التضخم، بالتوازي مع إطلاق نوافذ تمويلية مخصصة ومدعومة لقطاعات الإنتاج الحقيقى والتكنولوجيا الخضراء لضمان عدم توقف عجلة النمو الهيكلى أثناء فترة محاربة التضخم .
ثالثاً: عودة "الهيمنة المالية" وتآكل الحيز المالى
أحد أكبر التحديات التي تواجه الاقتصاد الكلى حالياً هو التداخل المتزايد بين السياسة النقدية والسياسة المالية. فبعد فترات طويلة من التوسع المالى غير المسبوق لإنقاذ الاقتصادات خلال الأزمات، وصلت مستويات الدين العام العالمى إلى أرقام قياسية قياساً بالناتج المحلى الإجمالى، حيث تخطى الدين العام العالمى حاجز 94% من الناتج الإجمالى وهو مرشح لبلوغ عتبة 100% في غضون سنوات قليلة إذا استمر المسار الحالى.هذا الارتفاع في المديونية يضعف قدرة الحكومات على المناورة. نحن اليوم أمام ظاهرة "الهيمنة المالية" (Fiscal Dominance) حيث تحد مستويات الدين المرتفعة من قدرة البنك المركزى على رفع الفائدة لمحاربة التضخم، خوفاً من إفلاس الموازنات العامة أو تعثر القطاع المصرفى الحامل لهذه السندات.
الحل المقترح: للتخلص من قيد الهيمنة المالية، يتوجب على الحكومات تطبيق "قواعد مالية ملزمة مرنة" تفرض خفض العجز الهيكلى تدريجياً في أوقات التعافى، مع تفعيل آليات مبادلة الديون بأصول استثمارية أو بمشاريع مناخية لتخفيف أعباء خدمة الدين دون إحداث صدمات انكماشية فى الموازنة كما فعلت مصر مثلا فى مبادلة بعض الديون بأصول استثمارية تفيد الطرفين الدائن والمدين .
الصحفى المقترح (Caption) "الشكل (1): مستويات الدين العام العالمى كنسبة من الناتج المحلى الإجمالى في الفترة ما بين
(2019 - 2026)

يُظهر الرسم بوضوح كيف أدت الأزمات المتتالية إلى تآكل الحيز المالى المتاح للحكومات لتبقى المديونية عند مستويات تاريخية حرجة تتطلب حلولا غير تقليدية
رابعاً: الجغرافيا السياسية وسلاسل الإمداد
ما اقصى تكلفة العولمة المضادة الان فقد انتهى عصر "العولمة المفرطة" التي كانت تضمن تدفق السلع بأقل التكاليف. نحن نشهد الآن صعوداً لسياسات تقليل الواردات والحد من الأستيراد والمعروفة بأسم "السياسة الحمائية الأقتصادية " ومن ضمنها نقل الإنتاج إلى الدول الحليفة فقط أو اعادتة الى الداخل مع تعزيز التصدير من الفائض المنتج محليا ..
تنتج الزيادات المستمرة فى الأسعار على المدى المتوسط والطويل نتيجة تحولات هيكلية وسياسية عميقة تتجاوز الازمات والصدمات المؤقتة ومن هذة التحولات على سبيل المثال
ـ التضخم الهيكلى والأختلال القطاعى والذى ينتج مثلا من التحول من القطاع الزراعى للصناعى
ـ ارتفاع أسعار مدخلات الأنتاج من طاقة الى مواد خام وأسعار النقل وتأمين الشحنات والناتج مثلا من الاحداث الجيوسياسية كما حدث قريبا بسبب حرب ايران
ـ تراجع قيمة العملة المحلية و تغير سلوك المستهلك فعدم وجود نموذج ثابت لتوقع سلوك المستهلك والذى يتغير مع الوقت خاصة مع الأنخفاض فى قيمة العملة والذى يؤثر على قرار الشراء من توقيت وجودة اختيار الصنف طبقا للسيولة المتاحة مع المستهلك
ان منظور الاقتصاد الكلى يرى في هذه التحولات دافعاً مستمراً لارتفاع الأسعار على المدى المتوسط والطويل. كما إن تفكيك كفاءة سلاسل الإمداد لصالح "الأمن القومي والاقتصادى" يعنى بالضرورة ارتفاع تكاليف الإنتاج. وهذه البيئة تفرض على الدول للأسف، خاصة الناشئة منها
الحل المقترح: الحل لا يكمن في الانعزال بل في الانتقال من نظام العولمة المفتوحة إلى " (Smart Redundancy) شبكات التوريد المتكررة الذكية عبر إقامة شراكات تجارية متعددة الأطراف محدودة النطاق والاعتماد على التكنولوجيا الرقمية لتوقع الأزمات اللوجستية وتأمين مخزونات استراتيجية للسلع الأساسية تضمن استقرار الأسعار محلياً
والتحقق دوما من وجود مرونة داخلية عبر تنويع الشركاء التجاريين وتعزيز الإنتاج المحلى في القطاعات الحيوية لتفادى صدمات العرض الخارجية .
خامساً: خريطة طريق مقترحة للإصلاح الهيكلى
بناءً على هذا التشخيص لا يمكن للحلول أن تكون أحادية الجانب. تتطلب المرحلة الحالية تبني استراتيجية كلية شاملة تقوم على المحاور التالية:
التنسيق العضوي بين السياسة النقدية والمالية: يجب أن تتوقف الحكومات عن ضخ السيولة عن طريق خفض لفائدة مثلا أو الاستثمار فى بينية تحتية طويلة الاجل أو تقديم دعم مادى نقدى وعينى للشعوب في وقت يحاول فيه البنك المركزي سحبها لتجنب تضارب السياسات.
ـ التحول نحو سياسات جانب العرض: يجب على الحكومات التركيز على تحسين بيئة الأعمال، وتطوير أسواق العمل لرفع الإنتاجية عن طريق ربط التعليم بأحتياجات العمل الفعلية والتوقف عن هدر الوقت والمال فى تخصصات لم يعد سوق العمل فى حاجة اليها وهو ما أشار الية فخامة الرئيس المصرى عبد الفتاح السيسى فى شهر مارس الماضى على اعادة هيكلة التعليم والغاء التخصصات الجامعية التى لا يحتاجها سوق العمل ، وهو الحل المستدام الوحيد لخفض التضخم دون التضحية بالنمو.
ـ إعادة هيكلة الديون الاستباقية: يجب تفعيل أطر أكثر مرونة لإعادة جدولة ديون الدول الناشئة لتفادي موجة تخلف عن السداد تعصف بالاستقرار المالي العالمي والحمدلله الى الأن مصر لم تتخلف عن سداد اى قسط لدين عبر تاريخها .
ـ الاستثمار في المرونة المناخية: تخصيص حيز مالي للاستثمار في التكيف المناخي و هو إجراء وقائي لحماية استقرار الأسعار مستقبلاً فكل دولار يتم انفاقه فى ذلك الأستثمار يوفر 4 دولار خسائر مستقبلية ومن أوجه ذلك الأستثمار هو الاأستثمار فى بذور مقامة للجفاف وتقنيات التقلب الجوى للمزارعين مع اقامة سدود جديدة تحسبا للفياضانات التى تزيد كل عام بسبب تغير المناخ وقد كانت مصر سباقة فى هذا المجال من خلال التوجه الى برنامد صندوق استثمار الزراعة المرنة الذكيه وبرامج دعم الشركات الناشئة فى تكنولوجيا المناخ .
الخاتمة
إن الاقتصاد العالمي لا يمر بمجرد "أزمة عابرة" ستنتهي بالعودة إلى ما كنا عليه قبل سنوات. نحن أمام "واقع جديد" يتطلب فكراً اقتصادياً متجدداً يمزج بين الحذر النقدي والجرأة الهيكلية.النجاح في عبور هذا المنعطف لن يكون حليف الدول الأكثر ثراءً، بل الدول الأكثر قدرة على التكيف، والأسرع في قراءة المعطيات الجديدة، والأكثر شجاعة في اتخاذ قرارات إصلاحية قد تكون مؤلمة على المدى القصير، لكنها حتمية لضمان الاستدامة والازدهار على المدى الطويل .

Events تنظم حفلاً غنائياً للفنانه إليسا بالجامعه الأمريكية
محمد دادي: الأصالة والجودة أساس النجاح على السوشيال ميديا والجمهور يميز المحتوى الحقيقي بسهولة
إي اف چي هيرميس تنجح في إتمام إصدار سندات بقيمة 5.1 مليار جنيه لصالح شركة «إي اف چي للحلول التمويلية» مما يجعل هذا الإصدار الأكبر في تاريخ سوق الدين المصري







