دينا الصاوي تكتب: قانون الأسرة الجديد.. ومن يحاسب على خراب البيوت؟ 

دينا الصاوي
دينا الصاوي


في الأيام الأخيرة، عاد الحديث بقوة عن قانون الأحوال الشخصية الجديد، بعد تداول أخبار عن تقديمه إلى البرلمان، ومع كل نقاش جديد تعود نفس الأسئلة المؤلمة:
سن الحضانة كام؟
الرؤية كيف ستكون؟
النفقة؟
الاستضافة؟
وحقوق الأب؟
وحقوق الأم؟
 
لكن وسط كل هذا الجدل، هناك سؤال أكبر لا يسأله أحد بما يكفي:
كيف وصلت بيوت كاملة إلى هذه المرحلة أصلًا؟
 
هناك أناس لم يتخيلوا يومًا أن حياتهم ستصبح مرتبطة بمحكمة، أو جلسة أسرة، أو حكم نفقة، أو قضية رؤية.
نساء دخلن الزواج وهن يعتقدن أنهن ذاهبات إلى حياة آمنة، إلى بيت وسند وشريك عمر، ثم استيقظن فجأة على لقب “مطلقة” ومعركة طويلة لا تشبه أحلامهن أبدًا.
ورجال أيضًا لم يتصوروا أن يأتي يوم يعدّون فيه الساعات من أجل رؤية طفل، أو يحاولون إثبات حقهم في احتضان أولادهم ولو لساعات قليلة.
 
وفي المنتصف دائمًا… يقف الطفل.
 
الطفل الذي لا يفهم معنى القوانين، لكنه يفهم الغياب.
لا يفهم معنى “الرؤية” و”الاستضافة”، لكنه يفهم أن بيته لم يعد كما كان.
يفهم أن هناك شيئًا انكسر.
وأن الأمان الذي كان يعيش داخله لم يعد كاملًا.
 
والحقيقة التي لا يحب كثيرون الاعتراف بها، أن كل البيوت تقريبًا مغلقة على مشاكل.
لا يوجد بيت بلا خلافات، ولا علاقة تخلو من الفتور أو الروتين أو لحظات عدم الرضا.
هناك بيوت كثيرة وصل أهلها لمرحلة الملل والتعب النفسي والضغط، لكن الفرق الحقيقي دائمًا يكون في:
هل سيهدم الناس البيت؟
أم سيحاولون إنقاذه؟
 
أحيانًا كلمة طيبة تنقذ بيتًا.
وأحيانًا صبر بسيط يحمي طفلًا من عمر كامل من الألم.
وأحيانًا قرار بالتغاضي والتفاهم يحافظ على دفء بيت، وعلى صورة عائلة تجتمع في المناسبات، وعلى حضن آمن ينام فيه الأطفال مطمئنين.
 
ليس المطلوب أن تكون الحياة مثالية، ولا أن تكون العلاقات بلا أخطاء، لكن المطلوب ألا يتحول كل خلاف إلى هدم، وألا يصبح الانفصال هو أول الحلول.
 
والمؤلم أكثر، أن هناك من يتدخلون في بيوت غيرهم بلا أي ضمير، وكأن هدم البيوت أمر عادي.
أشخاص لا يتركون خلفهم إلا الفوضى، يدخلون حياة مستقرة، أو حياة كان يمكن إصلاحها، ثم يرحلون تاركين وراءهم قضايا ومحاكم وخصومات وأطفالًا يدفعون الثمن وحدهم.
 
وفي الحقيقة، إذا كان هناك من يستحق أن يُحاسب أخلاقيًا قبل أي شيء، فهو كل شخص كان سببًا في هدم بيت، أو في إشعال نار داخل أسرة كان يمكن أن تنجو.
لأن آثار انهيار الأسرة لا تتوقف عند ورقة طلاق، بل تمتد إلى نفسية طفل، وإلى إنسان قد يفقد شعوره بالأمان والثقة لسنوات طويلة.
 
وفي زمن أصبح مليئًا بالضغوط والغلاء والخوف والصراعات النفسية، أصبح الاختيار من البداية مسؤولية كبيرة جدًا.
على كل طرف أن يسأل نفسه بصدق قبل الزواج:
هل هذا الشخص مناسب فعلًا؟
هل نستطيع الاحتمال والتفاهم؟
هل نملك القدرة على الاستمرار وقت الخلاف قبل وقت الحب؟
 
لأن الندم بعد تكوين أسرة لا يدفع ثمنه الطرفان فقط… بل يدفعه أطفال لم يختاروا شيئًا من البداية.
 
والأصعب من كل ذلك، أن النقاشات أحيانًا تتحول فقط إلى أرقام:
مين دفع؟
ومين ما دفعش؟
ومين شاف ابنه؟
ومين اتحرم منه؟
 
مع أن الحقيقة أعمق بكثير من الأموال والأحكام.
 
فالمال وحده لا يصنع بيتًا، ولا يشتري راحة، ولا يعوض طفلًا عن شعوره بالأمان.
كم من بيوت تُدفع فيها الأموال بكل أشكالها، لكن لا يوجد فيها سعادة ولا رحمة.
وكم من أطفال يعيشون وسط صراعات قاسية، لا يشعرون إلا بالخوف والتمزق، مهما كانت المصروفات تُدفع بانتظام.
 
وفي المقابل، هناك أطفال يتشردون فعلًا، أو يعيشون نقصًا وحرمانًا لأن طرفًا تخلى عن مسؤوليته، وكأن الأطفال لا ذنب لهم في خلافات الكبار.
 
لكن في النهاية، القضية الحقيقية ليست مجرد “مين دفع ومين ما دفعش”.
القضية الحقيقية هي:
كم قلبًا انكسر؟
كم طفلًا فقد إحساسه بالأمان؟
كم إنسانًا كان يرى هذا البيت عمره كله، ثم استيقظ فجأة ليجد أن كل شيء تهدّم؟
 
الطفل لا يتذكر دائمًا قيمة النفقة…
لكنه يتذكر التوتر.
يتذكر البكاء.
يتذكر الغياب.
ويتذكر ذلك الشعور القاسي بأن البيت الذي كان يحتمي به اختفى فجأة.
 
ولذلك، ونحن نناقش قانون الأحوال الشخصية، يجب ألا يتحول الأمر إلى مجرد صراع حقوق بين طرفين، بل إلى محاولة حقيقية لحماية ما تبقى من الأسرة المصرية.
لأن أخطر شيء ليس الطلاق نفسه… بل كمية الكسر التي يتركها داخل النفوس.
 
حافظوا على بيوتكم.
خافوا على أولادكم.
ولا تجعلوا أطفالكم يكبرون وهم يشعرون أن الحب كان شيئًا مؤقتًا يمكن هدمه بسهولة.
 
وفي وسط كل هذه القوانين والخلافات، هناك آباء وأمهات يختارون التضحية بأشياء كثيرة جدًا فقط من أجل أولادهم.
هناك من يقرر أن يعيش سنوات طويلة بدون زواج جديد، أو بدون استقرار عاطفي، أو حتى بدون إحساس كامل بالونس، فقط حتى يظل قريبًا من ابنه أو ابنته، ويعطيه أكبر قدر ممكن من الأمان والاحتواء، وحتى لا يشعر الطفل يومًا أنه تُرك أو حُرم من أحد والديه.
 
فهل يدرك الناس حجم الألم الذي قد يدفع إنسانًا لأن يختار الوحدة أحيانًا خوفًا على قلب طفله؟
وهل يشعر أحد بمدى قسوة أن يصل أب أو أم إلى مرحلة يكون فيها مُخيرًا بين حياته الشخصية… وبين قربه من اولاده؟
 
لهذا، قبل أن نختلف على القوانين، نحتاج أن نتذكر شيئًا مهمًا:
اتقوا الله في البيوت.
خافوا على أولادكم.
وفكروا جيدًا قبل أن يتحول بيت كان مليئًا بالحياة والدفء إلى مجرد قضية جديدة داخل محكمة أسرة