قضية ورأى

الناتو فى مواجهة المستقبل

د. أيمن الرقب
د. أيمن الرقب


الهدف المعلن من إنشاء حلف الناتو هو الحفاظ على أمن القارة الأوروبية وهذا فتح مجالا للولايات المتحدة الأمريكية إنشاء ونشر قواعد عسكرية.

ارتبط اسم حلف الناتو منذ تأسيسه بالشؤم على منطقتنا، فلم نر هذا الحلف إلا فى جلب المصائب لمنطقتنا.


وفى خطاب شهير للرئيس الأمريكى باراك أوباما عام ٢٠١١ أكد فيه على التزام الولايات المتحدة الأمريكية والناتو بأمن إسرائيل مؤكدا أن هذا أمر ثابت لا يتزعزع، مع العلم بأن حلف الناتو وافق عام ٢٠٠٩م على مشاركة الاحتلال الإسرائيلى فى عمليات الناتو فى البحر المتوسط، مما يعنى أن الدول التى ستكون فى عداء مع الاحتلال الإسرائيلى ستواجه الناتو. 


ورغم أن الاحتلال الإسرائيلى ليس عضوا فى هذا التحالف إلا أنه يشارك فى العديد من التدريبات والمناورات العسكرية لحلف الناتو، مع التزام الحلف بتوفير كل الدعم للاحتلال الإسرائيلي، حيث رأينا هذا التحالف يتداعى لدعم دولة الاحتلال بعد أحداث السابع من أكتوبر عام ٢٠٢٣م، مقدما كل إمكانياته العسكرية والأمنية لخدمة هذا الاحتلال، وصمت هذا الحلف بعد ذلك على جرائم الاحتلال ضد الأبرياء فى غزة، فى حين استمرار دفاعه عن أوكرانيا بكل قوة. 


لقد تأسس حلف الناتو عام ١٩٤٩م وضم عند التأسيس اثنتى عشرة دولة قبل أن يتسع ليصبح عدد أعضائه اثنتين وثلاثين دولة تحمل صفة العضوية وآخرين يحملون صفة عضو مراقب خاصة بعد تفكك حلف وارسو والذى تأسس عام ١٩٥٥م كرد فعل على تأسيس حلف الناتو من الكتلة الشرقية حينها بقيادة الاتحاد السوفيتى والذى تفكك عام ١٩٩١م قبل تفكك الاتحاد السوفيتى بعدة شهور. 


كان الهدف المعلن من إنشاء حلف الناتو هو الحفاظ على أمن القارة الأوروبية وهذا فتح مجالا للولايات المتحدة الأمريكية إنشاء ونشر قواعد عسكرية لها فى معظم أوروبا وبذلك أحكمت السيطرة على أوروبا بكل هدوء تحت شعار ضمان أمن هذه الدول واستقرارها  
بعد انهيار الاتحاد السوفيتى وتفكك الكتلة الشرقية والإعلان عن انتهاء الحرب الباردة، وجد هذا الحلف نفسه فى منعطف تاريخى مهم، فسبب إنشائه انهار والحرب الباردة انتهت، ومن أجل الحفاظ على تماسك هذا الحلف ومواجهة المتغيرات التى شهدها العالم تداعى لاجتماع مصيرى عام ١٩٩٩م فى واشنطن حيث قرر حلف الناتو تغيير رؤيته من أجل تبنى أفكار جديدة تقوم على توسيع مفاهيم الناتو من المفاهيم العسكرية فقط إلى مفاهيم أمنية تعتنى بالأمن الإنسانى ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل ومحاربة الإرهاب وغيرها، ووجدنا هذه الأفكار تطبق على منطقتنا خاصة بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر عام ٢٠٠١م فى حين تم التغاضى عما يمتلكه الاحتلال الإسرائيلى من أسلحة دمار شامل وأسلحة نووية. 


وشن الحلف عدة حروب على المنطقة تحت هذه الأهداف من ضمنها الهجوم على العراق عام ١٩٩١م والتى أطلق عليها حرب الخليج الثانية بعد احتلال العراق للكويت وما تبع ذلك من عمليات للناتو فى العراق وأفغانستان خاصة بعد أحداث سبتمبر عام ٢٠٠١. 


وشهدت ليبيا هجوما عنيفا من حلف الناتو عام ٢٠١١م لإسقاط نظام الرئيس الليبى معمر القذافى ودعمت علنا معارك إسقاط النظام، ومازالت ليبيا تعانى وارتدادات هذا الهجوم من حالة عدم الاستقرار حتى اليوم. 


كما أشرنا فقد رفع الحلف منذ تأسيسه شعارا بأنه حلف دفاعي، ولكنه تحول بعد ذلك إلى حلف له مهام عسكرية سياسية بهدف تكريس الهيمنة الأمريكية والغربية على العالم. 


هذا التغير فى الرؤية دفع حلف الناتو للحفاظ على كينونته العضوية ورغم ما طرأ عليه من تغييرات إلا أنه رفض دخول أى دولة عربية له، وسمح للبعض أن يصنف كصديق أو حليف استراتيجى كما حدث مع المملكة العربية السعودية عام ٢٠٢٥ م إلا أننا لم نر أى تنفيذ لهذا الاتفاق خاصة بعد الهجوم الإيرانى على دول عربية من ضمنها المملكة العربية السعودية. 


لقد خشى حلف الناتو بعد انهيار الاتحاد السوفيتى وزيادة عدد أعضائه أن يتفكك مع الوقت خاصة إذا اصطدمت مصالح أعضائه وسعت أوروبا لتبنى استراتيجية دفاعية مستقلة بعيدة عن حلف الناتو، وقد زادت هذه المخاوف بعد الحرب الروسية الأوكرانية عام ٢٠٢٢م. 


لقد كشف الهجوم الأمريكى الإسرائيلى على إيران فجوة كبيرة فى هذا الحلف وفتح أبوابا لتفككه، قد يكون تفككه أصعب من تفكك حلف وارسو ولكن شرخا كبيرا ضرب هذا الحلف الأشهر الماضية.


قد يكون اختلاف المصالح أحد أسباب تفكك هذا الحلف، حيث هاجم الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الدول الأوروبية التى لم تسانده فى الحرب وقرر لأول مرة منذ تأسيس حلف الناتو سحب القوات الأمريكية من الأراضى الألمانية.


الرسائل التى يطلقها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ضد حلف الناتو يجب أن تكون محركا للعالم العربى للبدء الفعلى فى إنشاء تحالف عربى عسكرى وأمنى أو البحث عن شراكات دولية عميقة بعد أن كشفت الحرب الأخيرة هشاشة العلاقة مع الناتو.