الزواج «ميثاق غليظ».. رؤية متكاملة لبناء أسرة مستقرة ومتوازنة

الحياة الزوجية
الحياة الزوجية


في زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة، وتزداد فيه التحديات الاجتماعية والاقتصادية، يبقى الزواج واحدا من أسمى الروابط الإنسانية، وأقدسها أثرا في بناء الفرد والمجتمع، فهو ليس مجرد عقد شكلي، ولا علاقة عابرة، بل هو ـ كما وصفه القرآن الكريم ميثاق غليظ، يحمل في طياته من المعاني ما يجعله أعمق من مجرد ارتباط بين رجل وامرأة.

اقرأ أيضًَا| حقوق المرأة في الزواج الفاسد وحالات العدة بقانون الأسرة الجديد

يقول د. أحمد عبدالله بكير، مشرف الفتوى بمنطقة وعظ القاهرة، لقد عبر القرآن الكريم عن حقيقة الزواج تعبيرًا بليغًا حين قال:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾، فجعل السكينة أول مقاصده، والمودة والرحمة عماده الذي تقوم عليه الحياة الزوجية.

فالسكينة ليست مجرد هدوء، بل هي طمأنينة نفسية، وشعور بالأمان، يجد فيه الإنسان ذاته، ويستريح من عناء الحياة والمودة هي الحب المتجدد الذي يظهر في الأفعال قبل الأقوال، في حسن المعاشرة، والكلمة الطيبة، والتغاضي عن الزلات أما الرحمة فهي ذلك البعد الإنساني العميق الذي يتجلى عند الضعف، وعند المرض، وعند الخلاف، حيث يقدم كل طرف للآخر عذرًا، ويمنحه دعمًا لا ينقطع.

إن وصف الزواج بـ"الميثاق الغليظ" لم يأتِ عبثًا، بل ليؤكد أن هذه العلاقة تقوم على مسؤولية عظيمة، والتزام أخلاقي وديني لا يجوز التهاون فيه فهو عهدٌ أمام الله قبل أن يكون أمام الناس، يتطلب الصدق، والصبر، وتحمل الأعباء، لا مجرد البحث عن الراحة والحقوق فقط.

غير أن واقعنا المعاصر يشهد اختلالًا في فهم هذه الحقيقة، حيث تحول الزواج عند البعض إلى مشروع مادي، أو علاقة مشروطة بالمصالح، أو تجربة قابلة للانتهاء عند أول خلاف. ومن هنا تزايدت نسب الطلاق، وانهارت بيوت كان يمكن أن تستمر لو فُهمت فلسفة الزواج على وجهها الصحيح.

إن بناء أسرة مستقرة لا يحتاج إلى إمكانات مادية فحسب، بل إلى وعيٍ حقيقي بمعاني الزواج، وإدراك أن الحياة لا تخلو من المشكلات، وأن النجاح فيها لا يكون بتجنب الخلاف، بل بحسن إدارته.

كما أن على المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية دورًا مهمًا في تصحيح المفاهيم، ونشر ثقافة الزواج القائم على الرحمة لا الصراع، وعلى الشراكة لا التنازع، وعلى التكامل لا التنافس.

وفي النهاية، يبقى الزواج رسالة إنسانية سامية، لا ينجح فيها إلا من فهم أنها عبادة قبل أن تكون عادة، ومسؤولية قبل أن تكون رغبة، وميثاق غليظ يستحق أن نصونه بكل ما نملك من وعيٍ وإخلاص.

فحيثما وجدت المودة والرحمة، قامت البيوت، واستقرت النفوس، وصَحَّت المجتمعات.