سميحة شتا
يأتى قرار الحكومة الإسرائيلية بتخصيص ميزانية تتجاوز مليار شيكل «نحو 270 مليون دولار» لإنشاء طرق استيطانية جديدة فى الضفة الغربية والقدس الشرقية فى سياق سياسى وأمنى بالغ التعقيد، يعكس توجهًا متصاعدًا نحو ترسيخ البنية التحتية للمشروع الاستيطانى وربطه جغرافيًا واقتصاديًا داخل الأراضى المحتلة.
ووفق ما أوردته صحيفة هآرتس الإسرائيلية، فإن هذه الميزانية تستهدف بالأساس شق طرق جديدة وربط المستوطنات القائمة والناشئة، بما يعزز من تكاملها ويكرس واقعًا ميدانيًا يصعب تغييره مستقبلاً، فى خطوة تُقرأ فلسطينيًا ودوليًا باعتبارها جزءًا من سياسة فرض الوقائع على الأرض أكثر من كونها مجرد مشروع تنموى.
وبحسب ما نقلته أيضًا منصة «ميدل إيست مونيتور»، فإن القرار يتضمن فى مرحلته الأولى تخصيص نحو 3 ملايين شيكل لإعداد الخطط والتصاميم الأولية، على أن تُعرض لاحقًا على الحكومة خلال 45 يومًا للمصادقة النهائية، فيما سيجرى تمويل بقية الأعمال من مخصصات إضافية ضمن ميزانية وزارة المالية الإسرائيلية. هذه التفاصيل التقنية، على بساطتها الظاهرية، تكشف عن منهجية مؤسسية متدرجة فى توسيع الاستيطان، تبدأ بالتخطيط ثم تنتقل إلى التنفيذ، بما يعكس إصرارًا على استدامة هذا المسار رغم الانتقادات الدولية المتكررة.
ولا يمكن فصل هذا القرار عن السياق الأوسع الذى تشهده الضفة الغربية منذ تولى حكومة بنيامين نتنياهو السلطة أواخر عام 2022، حيث تسارعت وتيرة التوسع الاستيطانى بشكل لافت، سواء من خلال بناء وحدات سكنية جديدة أو شرعنة بؤر استيطانية كانت تُعد سابقًا غير قانونية حتى وفق القوانين الإسرائيلية نفسها.
وتُشير التقديرات الفلسطينية، التى أوردتها التقارير ذاتها، إلى أن عدد المستوطنين فى الضفة الغربية بلغ نحو 750 ألفًا، بينهم حوالى 250 ألفًا فى القدس الشرقية، وهو رقم يعكس تحولات ديموغرافية عميقة تسهم فى تعقيد أى تسوية سياسية مستقبلية.
فى هذا السياق، لا تُعد الطرق الاستيطانية مجرد مشاريع بنية تحتية، بل تشكل أداة استراتيجية لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للضفة الغربية. فهى تربط المستوطنات ببعضها البعض وبالداخل الإسرائيلى، وتفصل فى الوقت ذاته بين التجمعات الفلسطينية، ما يؤدى إلى تقطيع أوصال الأراضى الفلسطينية وتحويلها إلى كانتونات معزولة. هذا النمط من التخطيط، الذى وثقته تقارير حقوقية دولية مرارًا، يهدف إلى خلق واقع يجعل من إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا أمرًا بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً.
يتعارض هذا التوسع من الناحية القانونية مع الموقف الدولى الذى يعتبر المستوطنات الإسرائيلية فى الأراضى المحتلة غير شرعية. وقد أعادت محكمة العدل الدولية التأكيد على هذا الموقف فى رأى استشارى صدر فى يوليو 2024، اعتبرت فيه أن الاحتلال الإسرائيلى للأراضى الفلسطينية غير قانونى، ودعت إلى تفكيك المستوطنات فى الضفة الغربية والقدس الشرقية. ورغم ذلك، يبدو أن السياسات الإسرائيلية تمضى فى اتجاه معاكس، مستفيدة من توازنات سياسية دولية تحول دون اتخاذ إجراءات رادعة فعالة.
ويكتسب قرار تخصيص هذه الميزانية بعدًا إضافيًا عند ربطه بالتطورات الأمنية فى الضفة الغربية، حيث شهدت المنطقة منذ أكتوبر 2023 تصعيدًا ملحوظًا فى المواجهات، أسفر، بحسب الأرقام الفلسطينية التى نقلتها «ميدل إيست مونيتور»، عن مقتل أكثر من 1155 فلسطينيًا وإصابة نحو 11750، إضافة إلى اعتقال قرابة 22 ألفًا. فى هذا السياق، يرى مراقبون أن التوسع الاستيطانى، بما فى ذلك شق الطرق، لا ينفصل عن البيئة الأمنية، بل يسهم فى تأجيجها، إذ يؤدى إلى مزيد من الاحتكاك بين المستوطنين والفلسطينيين، ويزيد من احتمالات التصعيد.
اقتصاديًا، يطرح المشروع تساؤلات حول أولويات الإنفاق الحكومى الإسرائيلى، خاصة فى ظل التحديات الداخلية والخارجية التى تواجهها البلاد. فبينما تُخصص مئات الملايين من الدولارات لمشاريع استيطانية فى أراضٍ محتلة، يواجه الاقتصاد الإسرائيلى ضغوطًا متعددة، من بينها تكاليف العمليات العسكرية والتوترات الإقليمية. ومع ذلك، يبدو أن الحكومة الحالية تعتبر الاستثمار فى البنية التحتية الاستيطانية جزءًا من استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تثبيت السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية.
أما على الصعيد الفلسطينى، فيُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها استمرارًا لسياسة تقويض فرص حل الدولتين، الذى لا يزال يُعد الإطار الأكثر قبولاً دوليًا لتسوية الصراع. فالطرق الجديدة، إلى جانب التوسع الاستيطانى، تُسهم فى تقليص المساحة المتاحة لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، سواء من حيث المساحة أو التواصل الجغرافى أو السيطرة على الموارد. كما أنها تعمق من معاناة الفلسطينيين اليومية، من خلال القيود على الحركة والوصول إلى الأراضى والخدمات.
وفى ظل هذا الواقع، تبدو ردود الفعل الدولية محدودة التأثير. فبينما تصدر بيانات إدانة من أطراف مختلفة، لا تُترجم هذه المواقف فى الغالب إلى إجراءات عملية قادرة على وقف التوسع الاستيطانى. ويرى محللون أن هذا العجز الدولى يشجع الحكومة الإسرائيلية على المضى قدمًا فى سياساتها، مستفيدة من غياب ضغط فعلى يمكن أن يغير من حساباتها.
كما أن قرار إنشاء طرق استيطانية يندرج ضمن نمط أوسع من السياسات التى تشمل توسيع المستوطنات فى مناطق أخرى، مثل الجولان السورى المحتل، حيث تحدثت تقارير سابقة عن خطط استثمارية بمئات الملايين من الدولارات لتوسيع الوجود الاستيطانى هناك. هذا الترابط بين الملفات المختلفة يشير إلى رؤية استراتيجية شاملة تهدف إلى تعزيز السيطرة الإسرائيلية على الأراضى التى احتلتها فى حروب سابقة، رغم الرفض الدولى الواسع لذلك.
فى المقابل، يواجه الفلسطينيون تحديات كبيرة فى التصدى لهذه السياسات، فى ظل الانقسام الداخلى وضعف الإمكانات السياسية والاقتصادية. كما أن الأدوات القانونية الدولية، رغم أهميتها، تبقى محدودة التأثير فى غياب آليات تنفيذ ملزمة. ومع ذلك، يواصل الفلسطينيون، على المستويين الرسمى والشعبى، محاولاتهم لتدويل القضية وكسب دعم دولى أوسع.
ولا تقتصر تداعيات هذا القرار على البعد السياسى والقانونى، بل تمتد أيضًا إلى البعد الاجتماعى والإنسانى. فشق الطرق الاستيطانية غالبًا ما يتم على حساب أراضٍ فلسطينية خاصة أو عامة، ما يؤدى إلى مصادرتها وحرمان أصحابها من استخدامها. كما أن هذه الطرق تكون فى كثير من الأحيان مخصصة للمستوطنين فقط، ما يعمق من نظام الفصل القائم على الأرض، ويزيد من الشعور بالظلم والتمييز بين السكان.
يعكس قرار تخصيص أكثر من مليار شيكل لإنشاء طرق استيطانية فى الضفة الغربية والقدس الشرقية استمرارًا لنهج إسرائيلى يركز على إعادة تشكيل الواقع الميدانى بما يخدم أهدافًا سياسية طويلة الأمد. وبينما ترى الحكومة الإسرائيلية فى هذه المشاريع ضرورة أمنية وتنموية، ينظر إليها الفلسطينيون والمجتمع الدولى باعتبارها انتهاكًا للقانون الدولى وعقبة أمام تحقيق السلام. وفى ظل غياب مؤشرات على تغيير هذا المسار، يبدو أن الصراع مرشح لمزيد من التعقيد، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على الاستقرار الإقليمى ومستقبل العملية السياسية برمتها.
الأمم المتحدة : الإبادة الجماعية استراتيجية إسرائيل فى غزة
3 أيام من المحادثات اللبنانية - الإسرائيلية بواشنطن
إيران: لن نسمح لـ«الطاقة الذرية» بتفتيش المنشآت النووية





