«دير سانت كاترين».. وثائقي يروي حكاية أقدم أديرة العالم وتاريخ يعانق الأديان

دير سانت كاترين
دير سانت كاترين


يمثل الفيلم الوثائقي "دير سانت كاترين" إضافة جديدة إلى جهود التوثيق الثقافي والسياحي في مصر، حيث لا يكتفي بعرض الموقع الأثري بوصفه معلماً دينياً قديماً، بل يتعامل معه كفضاء حضاري متعدد الطبقات يجمع بين التاريخ والروح والمعمار.

ويعكس هذا الإنتاج اتجاهاً متزايداً نحو توظيف الوسائط البصرية في إعادة تقديم التراث المصري للعالم، بما يعزز حضوره في الوعي العالمي كأحد أبرز رموز التلاقي الديني والثقافي، ويعيد إبراز دير سانت كاترين بوصفه نموذجاً فريداً لمكان تتداخل فيه الذاكرة الدينية مع القيمة الأثرية في سياق إنساني ممتد عبر القرون.

 

◄ كنوز معمارية ومخطوطات نادرة

 

وعرضت الإدارة العامة للرقابة على المنافذ فيلماً وثائقياً جديداً بعنوان "دير سانت كاترين"، يكشف الجوانب التاريخية والمعمارية والروحية لأحد أهم المواقع الدينية والتراثية في العالم.

ويأخذ الفيلم المشاهد في جولة داخل الدير التاريخي بمنطقة جنوب سيناء، مستعرضاً كنوزه المعمارية ومخطوطاته النادرة ومواقعه المقدسة التي جعلت منه رمزاً عالمياً للتسامح وتلاقي الحضارات والأديان عبر قرون طويلة.

قامت الإدارة العامة للرقابة على المنافذ بوزارة السياحة والآثار، برئاسة الدكتور مؤمن سعد، بنشر الفيلم الوثائقي "دير سانت كاترين" عبر صفحتها الرسمية، وذلك ضمن خطة الوزارة الهادفة إلى تعزيز التوعية الأثرية والسياحية والترويج للمواقع التراثية المصرية ذات القيمة الحضارية والإنسانية.

 

◄ كنيسة التجلي

 

ويستند الفيلم إلى مادة علمية أعدها الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، بينما تولى الإخراج والتنفيذ الأثري محمد ضياء الدين، الأثري بالإدارة العامة للرقابة على المنافذ، فيما قام بنشر الفيلم على الصفحة الرسمية الأستاذ عاطف إليا، مدير النظم والمعلومات بمطار القاهرة.

وأوضح الدكتور عبد الرحيم ريحان أن الفيلم يقدم شرحاً مبسطاً ومتكاملاً لمعالم دير سانت كاترين المعمارية والدينية، باعتباره واحداً من أقدم الأديرة المأهولة في العالم وأكثرها أهمية على المستويين التاريخي والروحي.

ويبدأ الفيلم باستعراض الكنيسة الرئيسية داخل الدير، والمعروفة باسم "كنيسة التجلى"، والتي تعد من أبرز المعالم الأثرية بالموقع، حيث تضم في داخلها كنيسة العليقة الملتهبة، إلى جانب تسع كنائس جانبية صغيرة تتميز بطابعها الروحي والمعماري الفريد.

 

◄ شجرة العليقة الملتهبة 

 

كما يسلط الفيلم الضوء على الوادي المقدس داخل الدير، والذي يحتضن شجرة العليقة الملتهبة الشهيرة المرتبطة بقصة النبي موسى، بالإضافة إلى بئر موسى الذي يعد من أهم الرموز الدينية بالمكان، إلى جانب متحف الدير الذي يضم مجموعة نادرة من القطع والمقتنيات التاريخية.

 

اقرأ ايضا| سانت كاترين.. محمية طبيعية وتاريخية فريدة ومعالم سياحية وأثرية خالدة

 

ويتناول العمل الوثائقي أيضاً عدداً من المنشآت التاريخية داخل الدير، من بينها معرض الجماجم، والجامع الفاطمي، والمكتبة التاريخية التي تعد من أغنى المكتبات الدينية والأثرية في العالم.

وأشار الدكتور ريحان إلى أن مكتبة الدير تضم نحو 4500 مخطوط نادر، من بينها حوالي 600 مخطوط باللغة العربية، إلى جانب مخطوطات باللغات اليونانية والأثيوبية والقبطية والأرمنية والسريانية، وتشمل موضوعاتها الجوانب الدينية والتاريخية والجغرافية والفلسفية.

وأضاف أن أقدم هذه المخطوطات يعود إلى القرن الرابع الميلادي، كما تضم المكتبة عدداً من الفرمانات الصادرة عن الخلفاء المسلمين لتأمين أهل الكتاب وحماية الدير، وهو ما يعكس عمق قيم التسامح والتعايش التي شهدتها مصر عبر تاريخها.

 

◄ تعانق الأديان

 

كما يتوقف الفيلم عند أحد أشهر معالم الدير، وهو موقع "تعانق الأديان"، الذي يجمع بين مئذنة الجامع الفاطمي وبرج الناقوس داخل موقع واحد، في مشهد يعبر عن وحدة التراث الروحي والحضاري في مصر.

ويشير الفيلم إلى أن برج الناقوس بناه راهب من سيناء يدعى غريغوريوس عام 1817، ويضم تسعة أجراس معدنية أهدتها الكنيسة الروسية في العام نفسه، بالإضافة إلى جرس خشبي قديم لا يزال يستخدم يومياً، بينما تُستخدم الأجراس المعدنية خلال الاحتفالات والأعياد الدينية.

ويأخذ الفيلم المشاهد في جولة داخل متحف الدير، حيث يستعرض واحدة من أهم الكنوز التاريخية بالموقع، وهي مخطوطة التوراة اليونانية الشهيرة المعروفة باسم "كودكس سيناتيكوس"، وهي نسخة خطية غير مكتملة من التوراة اليونانية كتبها أسبيوس أسقف قيصرية عام 331 ميلادية تنفيذاً لأمر الإمبراطور قسطنطين، قبل أن يهديها الإمبراطور جستنيان إلى الدير عام 560 ميلادية.

 

◄ مراحل تاريخية متعددة

 

كما يعرض الفيلم الإنجيل السرياني المعروف باسم "بالمبسست"، وهو نسخة خطية غير مكتملة من الإنجيل باللغة السريانية كتبت على رق الغزال، ويعد من أندر المخطوطات المسيحية القديمة.

ويتناول العمل أيضاً "العهدة النبوية" التي كانت محفوظة داخل الدير لقرون طويلة، قبل أن يأخذ السلطان العثماني سليم الأول الأصل معه عند دخوله مصر عام 1517، فيما منح الدير نسخة معتمدة مترجمة إلى اللغة التركية.

ويستعرض الفيلم كذلك مجموعة من الأيقونات النادرة والأواني الكنسية والمخطوطات التراثية التي توثق مراحل تاريخية متعددة مرت بها المنطقة، وتبرز القيمة الحضارية والفنية للدير باعتباره متحفاً حياً للتراث الإنساني والديني.

 

◄ أهمية استخدام الوسائط الرقمية

 

ويأتي عرض هذا الفيلم ضمن جهود وزارة السياحة والآثار للترويج للمقاصد السياحية والدينية المصرية، خاصة منطقة سانت كاترين التي تعد من أهم مواقع التراث العالمي المسجلة لدى منظمة اليونسكو، فضلاً عن مكانتها الروحية لدى أتباع الديانات السماوية.

كما يعكس الفيلم أهمية استخدام الوسائط الرقمية والأفلام الوثائقية الحديثة في نشر المعرفة الأثرية والسياحية، وتعريف الأجيال الجديدة والزائرين من مختلف دول العالم بالقيمة التاريخية والدينية الفريدة التي تتمتع بها المواقع الأثرية المصرية.