عمر حسانين يكتب: أعطاب في جدار صاحبة الجلالة

عمر حسانين
عمر حسانين


علمونا قديما أن "الصحافة" تمثل دور الضمير من المجتمع الذي تعيش فيه، لا يجرفها هوى، ولا تحيد بها مصلحة، تتبع الحقائق المجردة، تفتش عن مواطن الخير وترفعه للسطح فيسطع نوره في كل مكان، وتطارد مواطن الشر فتفضحه، وتحذر الجميع من  معايبه، وعلمونا أنها قاطرة الثقافة، تقود عرباتها إلى كل شبر يمكن الوصول إليه، لكن هذه المهمة المقدسة أصابتها أعطاب مكنت  منتفعين من الانحراف ببعض منابرها عن الرسالة الحقيقية.

والحديث عن أبطال (الصحافة) وشهدائها - مع الاحتفال بيومها العالمي - أمر مهم، لأن أمثال هؤلاء الخالدين، هم النور الذي يضيء الطريق أمال أجيال قادمة ، تحلم بحمل الراية من بعدهم. لكن الأهم أن نناقش الأعطاب ونبحث عن حلول تخلصنا منها للأبد.

ومؤكد أن ( الحرية ) وحدها هي مصدر حياة هذه المهنة، وبدونها تعاني من (ضيق التنفس) حتى تختنق ، ولا نختلف على ضرورة  تعديل بعض القوانين ، ورفع  المعوقات التي تحول دون الحصول على المعلومة كاملة، ومطالب أخرى بالعشرات ، لكن الحقيقة المرة ، أن ما سبق ليس السبب الرئيسي للمرض ، والتمسك به وحده  مجرد شماعة سابقة التجهيز ، ومحاولة للهروب من الحقيقة.

لأنه مع تغول (المادة) بكل أصنافها على (الروح) وكل ما يسمو بها، بدأت خطوات الانحراف، و أدخل (حواة) في المهنة (البحث عن الحقائق أو المتاعب) الجراب ، وازدحمت حقائبهم ، إما بمساحيق تجميل ، حولت وجوها قبيحة إلى ملائكة ، أو (عدة جزار) تسلخ جلود أبرياء وتشوه الجمال، وناتج المعادلة تحول إلى حسابات متضخمة، وقلاع محصنة، وتبدلت الشقق المتواضعة إلى قصور وفيلات.

وعلى نفس المنحدر، وجدنا بعضهم يقيس النجاح بأرقام المشاهدات، وانهارت قيمة (المضمون) ينزعون عن صاحبة الجلالة - كل يوم - قطعة من ملابسها ، ولم يتبق إلا ما يستر عورتها ، أصبح العزف فقط على أوتار نشاز ،( وتر الفتنة )، نهدم قواعد الأديان ونشكك فيها ، ( وتر السفه ) فنتعمق في البحث والنشر  عن كل تافه ، ( وتر الجنس ) ، فحدث ولا حرج ، ( وتر الدجل والخرافات ) ... كثير وكثير وكثير ، المهم أن تحصد ملايين المشاهدات.

الصحافة الحرة الشريفة موجودة وباقية ، تحمل على عاتقها مسؤولية (الرسالة المقدسة) ، رجالها يعشقون مهنتهم ، لا يقايضون بقيمهم ، ولا يعرفون ( غزل المصالح ) ، مداد أقلامهم ليس للإيجار ، ينظر الواحد منهم إلى المرآة فيطالعه تاج الشرف فوق رأسه ، فتحية محبة وإجلال للذين يقبضون على المبادئ والقيم النبيلة ، وعاشت الصحافة حرة ، تنير كل الطرق المظلمة.