إسلام الكتاتني: مختار نوح هزم الإخوان حيا وميتا

إسلام الكتاتني
إسلام الكتاتني


■ بقلم: إسلام الكتاتني

في أواخر شتاء ٢٠١٢ كان اللقاء الأول فى مكتبه الفسيح بمصر الجديدة، حين التقيته لأول مرة هو والأستاذ الكبير ثروت الخرباوى، بعد أن كنت أسمع عنه قصصا وحكايات يرويها قادة الإخوان باعتباره فارسا مغوارا فى ساحات العدالة حين كنت شابا يافعا متأثرا بجماعة الإخوان، وأنا لم أكمل العشرين من عمرى سمعت الكثير والكثير عن بطولات الرجل الفكرية والسياسية وتعدد مواهبه الشخصية كمحامٍ وحقوقى بارع ومفكر إسلامى قدير، وارتسمت فى خيالى هذه الصورة عن تلك الشخصية العظيمة التى تأكدت أمامى فى هذا اللقاء الذى تعددت بعده لقاءات ولقاءات ولقاءات تتلمذت فيها على يد هذا العملاق، صاحب الصولات والجولات فى ساحات المحاكم والقضاء، وفى ميادين إعلاء كلمة الحق، التى انبرى لها الرجل مدافعا عن الإسلام الوسطى المعتدل، منبريا فى فضح أكاذيب وألاعيب تلك الجماعة التى خُدع فيها، والتى كان أحد قادتها فى يوم من الأيام، لكن يد الله كانت تعمل فى الخفاء فحنت على قلب ذلك الرجل وأرشدته إلى الطريق الصحيح لنصرة الدين والوطن، فرفع الراية فارسا مغوارا كما كنت أسمع عنه حين كان فى يوم من الأيام عضوا فاعلا فى تلك الجماعة، ثم انقلب عنها منتفضا يزأر كزئير الأسد حين يفترس فرائسه بكل شجاعة وبلا خوف أو تردد، ومنذ ذلك اللقاء وأنا ألازم هذا الفارس النبيل سواء على المستوى الشخصى والإنسانى أو على مستوى التلمذة على يديه فى معركة المواجهة الفكرية الكبرى التى انبرى لها وانبريت لها من خلفه.. تلك المعركة المستمرة والممتدة لفضح أكاذيب من يدعون زورا أنهم يحملون راية الإسلام، وهم فى حقيقة الأمر أبعد ما يكونون عن مقاصد ذلك الدين الوسطى المعتدل وعن الانتماء الحقيقى لتراب هذا الوطن والذود عن حياضه، فقد كشف الرجل فى هذه المعركة الكبرى عن الكثير والكثير من أسرار وكهنوت تلك الجماعة ومدى استغلالها لبراءة الأجيال الصغيرة من الشباب والضحك على عقولهم، بعد زعزعة عواطفهم ومشاعرهم بدعوى نصرة الإسلام وقضاياه، فصال الرجل وجال وهو يمتطى صهوة جواده مشهرا سيفه فى حلبة الحق لا يخاف فى الله لومة لائم، مستعدا لدفع الثمن من تهديد بالاغتيال إلى حملات لا تتوقف من الاغتيال المعنوى ومن التشويه فى شخصه وذمته وسمعته، لكن الرجل لم يعبأ بكل تلك التهديدات وحملات التشويه، ومضى فى طريقه ينافح ويدافع عن قضيته الكبرى فى العقدين الأخيرين من حياته، بكشف زيف هذه الجماعة التى سرت أفكارها فى جسد هذه الأمة كسرطان خبيث يدمر العقول والقلوب ويشوه الأفكار، لينتج لنا فى النهاية أجيالا مشوهة ممسوخة لا تعرف انتماء لمعنى الوطن، ولا حتى انتماء للدين الصحيح، التى تزعم أنها هى التى ترفع رايته، فهى لا تعرف إلا الانتماء للجماعة وعبادة الجماعة واتخاذ الجماعة غاية لا وسيلة، فأصبحت تعبد الجماعة من دون الله عياذا بالله.

وهكذا مرت أربع عشر عاما منذ ذلك اللقاء الأثير إلى قلبى الذى ترك أثره وبصمته داخلى منذ ذلك الحين وحتى الآن، متلمسا السير على نفس ذات الدرب الذى سار عليه أستاذى ومعلمى الأكبر مختار نوح عليه شآبيب الرحمة ومغفرة الله ورضوانه، فقد أدى الرجل أمانته مخلصا لدينه ولوطنه أحسبه كذلك ولا أزكى على الله أحدا..

إلى أن كان آخر لقاء جمعنا منذ شهرين وكان اللقاء الأخير، وياليته امتد لساعات وساعات لكى أرتوى من فكر هذا الرجل وأنهل من تحليلاته وأفكاره التى سبقت زمانه، لكنه القدر ولكنه الموت الحقيقة الوحيدة فى هذه الحياة التى كتبها الله على كل عباده وعلى كل مخلوقاته، حتى وإن كان من مخلوقاته أعظم البشر من الرسل والأنبياء الذين اختارهم لهداية البشرية، لم يستثنوا من تلك الحقيقة وتلك المصيبة، مصيبة الموت فالكل حتما ماضٍ إليها لا مفر منها ليبقى فى النهاية واحد فقط هو الله عز وجل الواحد الأحد الحى الذى لا يموت، وفى ظل هذه الحقيقة والإيمان بها - فالإيمان بها من ثوابت الدين وعقيدتنا الصحيحة - ننحنى إجلالا لهيبة الموت، فخروج الروح من الجسد هى اعتراف بمدى قدرة الله عز وجل على الإحياء والبعث، لذا كان من ثوابتنا الدينية التى علمنا إياها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم أن نسلِّم بتلك الحقيقة ونصبر على تلك المصيبة التى أسماها الله عز وجل بمصيبة الموت، تعبيرا عن مدى عظمة هذا الحدث الجلل، وأمرنا الإسلام الصحيح بأن نترحم على ميتنا وأن ندعوا له بالرحمة المغفرة حتى وإن اختلفنا معه سياسيا أو فكريا أو حتى دينيا، ولعلنا نذكر الحادثة الشهيرة للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم حينما مرت أمامه جنازة يهودى فقام لها، فتعجب الصحابة رضوان الله عليهم، فقال لهم «أليست روحا».

وهناك الكثير والكثير من الهدى القرآنى والنبوى الذى يدعونا إلى الترحم على الميت والاعتبار من الموت، لكن جماعة البنا هذا السرطان الخبيث الذى يسرى فى جسد هذه الأمة ابتكر فقها جديدا، روّجت له عبر كافة منابرها وأدبياتها وجعلته دستورا يسير عليه أتباعها ومناصروها، والمتعاطفون معها بل امتدت عدوى هذا الفقه الغريب والجديد على مجتمعاتنا العربية والإسلامية إلى كافة التيارات السياسية والفكرية إلا من رحم الله من البسطاء وبعض من المثقفين الذين مازالوا يحتفظون بفطرتهم النقية فى رفض هذا الفقه القميء الذى ينافى صحيح هذا الدين الوسطى المعتدل.. إنه ياسادة (فقه الشماتة).. نعم وهذا الفقه الجديد الذى تميزت به هذه الجماعة يطل علينا بوجهه القبيح فى كل حادثة موت أو مرض لأحد الرموز الفكرية أو السياسية المعارضين لهذه الجماعة، فتنبرى صفحاتها وفضائياتها ومواقعها ولجانها الإلكترونية فى إقامة حفلات من الشماتة والتشفى فيمن مات أو تعرّض للمرض من مخالفيها، وهذا ما حدث لفارسنا النبيل بعد موته..

أقاموا الأفراح والليالى الملاح بموته وكأنهم مخلدون فى هذه الحياة الدنيا، وكأن الموت عقاب له لا عليهم، ولم يدركوا أن تلك الحفلات من الشماتة والتشفى ترفع رصيده من الحسنات ومغفرة السيئات، وتزيد من رصيدهم من الخطايا والسيئات، وترفعه إلى أعلى الدرجات وتنزل بهم إلى أسفل الدركات.. رحم الله فقيدنا الكبير وغفر له وألهمنا الصبر على فراقه، وأن نستمر فى السير على دربه لا فارين ولا مبدلين.. وحمانا الله من هذا السرطان الخبيث، وأعاننا على اجتثاثه من جسد أمتنا العليل.