أحمد ناصف
فى لحظة فارقة من عمر الحياة التشريعية فى مصر يواصل مجلس النواب أداء دوره المتصاعد فى إعادة تشكيل البنية القانونية للدولة، عبر حزمة من القوانين التى طال انتظارها لسنوات، وظلت حبيسة التعقيدات السياسية والاجتماعية فى عهود سابقة، حتى بات تمريرها اليوم انعكاسًا لإرادة واضحة نحو التغيير والإصلاح.
فخلال الفصل التشريعى الثانى نجح البرلمان فى اقتحام ملفات شديدة الحساسية، كان أبرزها قانون الإجراءات الجنائية الجديد، الذى يمثل إعادة صياغة شاملة لمنظومة العدالة الجنائية، إلى جانب تعديل قانون الإيجارات القديمة، بما يحرر العلاقة بين المالك والمستأجر بعد عقود من الجمود، وهى خطوات لم تكن سهلة، لكنها عكست تحولًا فى فلسفة التعامل مع القضايا المؤجلة.
هذا الحراك التشريعى لم يأتِ بمعزل عن رؤية سياسية أوسع، حيث وجه الرئيس عبد الفتاح السيسى الحكومة بالإسراع فى إعداد مشروعات القوانين الحيوية، وعلى رأسها قوانين الأحوال الشخصية، إدراكًا لارتباطها المباشر باستقرار المجتمع، وهو ما ترجم سريعًا فى موافقة مجلس الوزراء برئاسة الدكتور مصطفى مدبولى على مشروع قانون الأسرة الجديد، تمهيدًا لإحالته إلى البرلمان وفتح باب الحوار المجتمعى حوله.
وبدأت لجنة التضامن الاجتماعى بمجلس النواب الأسبوع الماضى أولى جلسات الاستماع التى عقدتها اللجنة لمناقشة ملف الأسرة المصرية، حضرها متخصصون وخبراء، بالإضافة إلى الفنان محمد فراج، الذى قدم رؤيته من خلال دوره فى المسلسل الرمضانى اأب ولكنب، تركز النقاش خلالها على وضع الطفل والعمل على حمايته،وبحث سبل تطوير الإطار التشريعى المنظم لها، بما يواكب المتغيرات الاجتماعية ويحافظ على القيم والثوابت المجتمعية.
رؤية شاملة
ووجهت راندا مصطفى رئيسة لجنة التضامن بمجلس النواب الشكر إلى الرئيس عبد الفتاح السيسى، مشيدة بإصراره على فتح هذا الملف الشائك، الذى وصفته بأنه يمثل امشكلة عريضة تؤرق الأسرة المصرية، مؤكدة أن الأسرة هى عماد المجتمع، وأن التعامل مع هذا الملف يتطلب رؤية شاملة ومتوازنة، موضحة أن اللجنة تلقت العديد من الشكاوى من المواطنين، سواء عبر الخطابات أو الاتصالات الهاتفية، والتى كشفت عن مجموعة من أبرز المشكلات المرتبطة بقانون الأحوال الشخصية، فى مقدمتها أزمة توثيق الطلاق التى تعد من الملفات المهمة لضمان حصول المرأة على حقوقها بشكل قانونى، كما أشارت إلى أن ملف النفقة يمثل تحديًا كبيرًا، مؤكدة أنه لا يجوز ترك الأسرة دون مورد مالى، وأن المشكلة لا تكمن فى صدور الأحكام، بل فى آليات تنفيذها، حيث أوضحت أن العديد من المختصين أكدوا أن الأحكام تصدر بسرعة، بينما يظل التنفيذ هو العقبة الأساسية، مما يستدعى البحث عن آليات فعالة لضمان سرعة تنفيذ أحكام النفقة.
وفى قلب هذا المشهد برزت تصريحات المستشار محمود حلمى الشريف وزير العدل لتضع ملامح واضحة لفلسفة القانون الجديد، مؤكدًا أن اهذا القانون خطوة مهمة نحو تطوير منظومة الأحوال الشخصية بما يتلاءم مع تحديات العصرب، فى إشارة إلى أن المشروع لا يقتصر على مجرد تعديل تشريعى، بل يمثل نقلة نوعية فى طريقة إدارة العلاقات الأسرية. وأوضح الوزير أن الهدف الأساسى يتمثل فى تبسيط الإجراءات وتقليل النزاعات، حيث تسعى الدولة إلى االحد من النزاعات الأسرية والاستعاضة عن بعضها بالحلول الوديةب، بما يخفف من حدة الصراعات داخل الأسرة المصرية.
ويمضى مشروع القانون فى هذا الاتجاه عبر أدوات جديدة، من بينها استحداث ملحق لعقد الزواج يتضمن الاتفاق على مسكن الزوجية والمسائل المالية، وهو ما وصفه الوزير بأنه ايُمنح قوة السند التنفيذىب، بما يتيح تنفيذ ما يتفق عليه الطرفان دون الدخول فى نزاعات قضائية مطولة، كما تضمن المشروع تنظيم وثيقة التأمين للمقبلين على الزواج، فى محاولة لإرساء قدر أكبر من الاستقرار منذ بداية العلاقة الزوجية.
وفى خطوة تعكس تطورًا فى التعامل مع القضايا الأسرية أشار وزير العدل إلى إدخال نظام الرؤية الإلكترونية والاستزارة، لمواجهة حالات تعذر تنفيذ الرؤية التقليدية، مؤكدًا أن امصلحة الطفل هى البوصلة التى تسترشد بها المحكمة فى جميع قراراتهاب، وهو ما يعكس تحولًا مهمًا نحو إعطاء الأولوية لحقوق الطفل باعتبارها محور المنظومة بالكامل.
تخفيف الأعباء
ولا يقف التطوير عند هذا الحد، إذ يتجه القانون إلى تخفيف الأعباء عن المتقاضين عبر تقليل تعدد القضايا، حيث أوضح الوزير أن المشروع األزم المدعى بتقديم جميع طلباته فى دعوى واحدة أمام محكمة واحدةب، بدلًا من التنقل بين عدة محاكم، وهو ما كان يمثل عبئًا كبيرًا على الأسر، فضلًا عن استمرار إعفاء دعاوى النفقات من الرسوم القضائية، بما يعزز البعد الاجتماعى للقانون.
كما يعكس المشروع توجهًا واضحًا نحو التحول الرقمى، من خلال إدخال وسائل تقنية المعلومات فى الإعلانات القضائية وتقديم الطلبات إلكترونيًا، وهو ما أشار إليه الوزير بقوله إن االقانون استحدث استخدام الوسائل الإلكترونية فى إجراءات التقاضىب، إلى جانب إنشاء إدارة متخصصة لتنفيذ أحكام الأسرة داخل كل محكمة ابتدائية، بما يضمن سرعة تنفيذ الأحكام وتقليل التكدس.
ولم يغفل القانون حقوق ذوى الإعاقة، حيث تم إدراج لغة الإشارة ضمن وسائل التعبير عن الإيجاب والقبول فى عقود الزواج والطلاق، تطبيقًا لنصوص الدستور، فى خطوة تعكس توجهًا نحو مزيد من العدالة الاجتماعية والشمول.
وعى المجتمع
وفى ختام رؤيته شدد وزير العدل على أن نجاح هذا التشريع لا يتوقف فقط على نصوصه، بل يمتد إلى طريقة تطبيقه، مؤكدًا أن انجاح القانون يرتبط بوعى المجتمع بأهدافه والتزام الجميع بروحه قبل حروفهب، فى إشارة إلى أن التشريع وحده لا يكفى دون ثقافة مجتمعية داعمة.
ومع اقتراب إحالة مشروع القانون إلى مجلس النواب، حيث من المنتظر أن يقوم رئيس المجلس بإحالته إلى اللجان المختصة لبدء مناقشاته تبدو المؤسسة التشريعية على موعد جديد مع اختبار مهم، يضاف إلى سجلها فى التعامل مع القضايا الشائكة، خاصة فى ظل اعتمادها على آلية الحوار المجتمعى كمدخل أساسى قبل الإقرار.
وأكد طارق رضوان رئيس لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب أن مناقشة ملف الأحوال الشخصية والأسرة تمثل قضية محورية تمس النسيج الوطنى بكافة أبعاده، سواء الاجتماعية أو الاقتصادية أو المرتبطة بالمواطن بشكل مباشر.
وشدد رضوان على أن الدولة تتعامل مع هذا الملف باعتباره أحد أهم الملفات التشريعية ذات التأثير المباشر على استقرار المجتمع.
وأوضح أن مشروع قانون الأسرة يمثل استحقاقًا دستوريًا والتزامًا واضحًا بتنفيذ مخرجات الحوار الوطنى، فى إطار توجه الدولة لتحديث البنية التشريعية بما يتواكب مع تطورات المجتمع.
وأشار إلى أن ما شهده المجتمع خلال السنوات الماضية من تغيرات اجتماعية واقتصادية يتطلب وجود قانون ينظم إدارة حياة الأسرة المصرية بشكل أكثر دقة، لافتًا إلى أن التشريعات يجب أن تواكب هذه التحولات لضمان تحقيق التوازن داخل الأسرة.
وأضاف أن التعامل مع قانون الأسرة يجب أن يكون بنفس المنهج الذى تم به تحديث قوانين أخرى، مثل قانون الإجراءات الجنائية، الذى مر عليه أكثر من 65 عامًا، مؤكدًا ضرورة إعادة النظر فى القوانين القديمة فى ضوء المعطيات الجديدة التى طرأت على المجتمع.
وشدد رئيس لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب على أهمية إصدار قانون متوازن يراعى حقوق جميع أطراف الأسرة، ويسهم فى تعزيز الاستقرار المجتمعى، بما يدعم تماسك البنية الاجتماعية فى مصر.
اقرأ أيضا: قانون الأسرة الجديد| هل يحق للزوجة طلب فسخ عقد زواجها ؟
بعد تحقيقه 213 مليون جنيه.. أزمة «برشامة» تشعل البرلمان
بحجة «موافقة الوزارة».. زيادات كبيرة بمصروفات المدارس الخاصة
السيد زعبوط: أسعى لمحاربة الأورام بإعادة برمجة المناعة







