فنجان قهوة

صندوق الساحرة الصغيرة

يسرى الفخرانى
يسرى الفخرانى


فى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، يحدث كل ليلة، أن يستمع الناس فى البيوت موسيقى لا يعرفون من أين تأتى، الحارة ضيقة فى بولاق، البيوت قريبة تكاد تكون ملتصقة ببعضها ومتكئة على بعضها كأنه ونس، لكن الأمر ليس إلا عمارات قد صُنعت فى غفلة من الزمن كل شىء فيها باهت حتى ألوان البلكونات، التصاقات البيوت منحت من العيب ميزة عظيمة أو مِيزتين، أحدهما كنز الثرثرة المسلية بين النوافذ المفتوحة والبلكونات الصغيرة المُعلقة بالكاد على حواف البيوت، والثانية أن الكل يعرف الكل، لا يعرفه اسما فقط فهذه ليست ميزة، إنما يعرف ما بداخل الشقق والغُرف والمطابخ وبسطة كل بيت، انتظروا واسمعوا ..

هاهو صوت الموسيقى يأتى من جديد فى نفس الموعد تماما، ليس قادما من راديو ولا من تليفزيون ولا من النت، تأكدوا من ذلك، فما يبدأ الساعة الواحدة ينتهى فى الواحدة والنصف، تتبعوا مصدر الموسيقى وجدوه شباك فى الدور الأرضى له شيش أخضر يتسرب منه ضوء يُطفئ بعد خمس دقائق من انتهاء الموسيقى، فى البدء كانت الدهشة يشوبها بعض الإزعاج، لكن بالوقت وحتى أمسك سهارى قهوة الحاج فتحى النافذة المذكورة، أصبحوا ينتظرون فى الواحدة تماما الموسيقى التى تنبعث من وراء الشباك نفسه، حتى قال أحدهم فى ليلة هذا عزف كمنجات على أصوله، فعرف السهرانين على القهوة أن هناك شخصا ما فى البيت الذى سكن أخيرا بعد سنوات من بقائه مهجورا يعزف على الكمنجة، البيت غرفتان وصالة فى الدور الأرضى ولم يُعرف بعد عن سكانه الجدد إلا أنهم من برة بولاق، وهم فعلا من الإسكندرية، أم وابنتها، لا يغلب رواد قهوة مشمش ولا السكان الأصليين للحى القديم معرفة ماتخفيه الجدران، من يعزف هذا العزف الذى يُسكر السهارى؟ لعلها الأم فهى تبدو حاذقة فى موهبة ما ، لكن بعد أيام من الحيرة ظهرت الابنة فى طريقها لتركب المترو وعلى ظهرها كيس أسود لا يُخفى على أحد أنه لآلة كمنجة، الفتاة إذن هى البطل المنتظر، العازف الذى يشق صمت الليل عند الواحدة بعزف يخبل العقل، كيف لهذه الفتاة ضئيلة الجسد بشكل ملفت أن تكون بهذه المهارة فى العزف على كمنجة يُخيل للناس أن الرجال هم فقط الذين يجيدون العزف بها.


جاءت فتحية من الإسكندرية مع أمها من أجل هذه الآلة الموسيقية، نبغت فى عزفها فأصرت الأم أن تأتى بها إلى مصر، حتى قالت جارة قديمة عارفة بدهاليز الحارة: أم وابنتها شابة من بحرى فى إسكندرية.


وظهرت الفتاة فى الصباح تركب التوكتوك، وظهرت الأم عَفّية فى منتصف العمر، ولم تظهر الكمنجة، لكن ظلت الموسيقى تُعزف من النافذة كل مساء، ثم تسكت، فى ليلة ظهرت الفتاة متأنقة بفستان بدى تحت مصباح الحارة يلمع قليلا وعلى كتفها تحمل حقيبة لها يد طويلة، التفت الجالسين على قهوة فتحى يتابعون الفتاة فى صمت ودهشة، لمح أحدهم ضيا من الألوان على وجهها، وفهم رجل آخر أنها هى صاحبة عزف المساء وأنها تحمل آلة العزف، ولم يفسر أحد أى شئ آخر، انتظر الفضوليون على المقهى حتى كما ذهبت، عادت، لكنها هذه المرة كانت تحمل ابتسامة سعادة على وجهها ويبدو أن قامتها القصيرة قد طالت قليلا.


كان اليوم ثلاثاء عادى .. لكن ظهور فتاة الكمان جعله فى الحارة استثناء غير عادى، حتى تكرر كل ثلاثاء خروجها بفستان سهرة وعودة بفرحة لا توصف.


قالت الجارة العالمة ببواطن الأمور من شباك بيتها فى الدور الأرضى: «جاءت من بحرى فى الإسكندرية لتعزف فى الأوبرا، البنت شاطرة وموهوبة وكل ثلاثاء عندها حفل».


قال أحدهم يُكمل القصة: «لكنى رأيتها فى سوبر ماركت تعمل على الكاشير».


فى الثلاثاء التالى خرجت الفتاة وأمها، وقفت عند رأس المقهى المنتظر وقالت بصوت مسموع: «عقبال عندكم يا حبايب .. بنتى هتعزف النهاردة عزفا منفردا على المسرح. ادعو لها».


ركبت الفتاة التوك توك واختفت فى الزحام بحلمها الوثير فى طريقها إلى الأوبرا .. بينما تركت أثر همهمات على المقهى بعضهم يشجعها والبعض يستنكر على الفتاة أن تقترب من الموسيقى.


 لم تكن هذه ليلة ثلاثاء عادية .. لقد عزفت كما لم تعزف من قبل كأنها مسحورة بالكمنجة السوداء الصغيرة، أخيرا أخيرا أصبح لغربتها عن الإسكندرية معنى.