رؤى

خير الأرض وحصاد الصمود

النائب عادل زيدان عضو لجنة الزراعة بمجلس الشيوخ
النائب عادل زيدان عضو لجنة الزراعة بمجلس الشيوخ


فى سنوات عمرى الأولى، كنت طفلًا عمره 5 سنوات يرافق والده الفلاح فى الغيط بالقرية، كان أول درس تعلمته فى حياتى قبل دخولى المدرسة، أن الأرض لا تجامل أحدًا، وأن السماء لا تمطر ذهبًا، وأن رزقى يُنتزع بالصبر..

فبين شقوق الأرض السمراء، سمعت مقولة من أهلنا الفلاحين ظلت محفورة فى وجدانى كوشمٍ لا يمحوه الزمن: «الشجرة المثمرة هى وحدها التى تُرمى بالحجارة» نعم، ثمارك تجعلك هدفًا، يرمونك لتتساقط أحلامك أرضًا، لكنهم يجهلون أن كل حجر يرمونه يرتطم بجذعٍ زاده الصبر قوة، وبجذورٍ شربت من عرق الجبين حتى صارت لا تهتز بالرياح العاتية.

لم يكن وجودى فى الأرض يومًا بلا هدف، ذهبت إلى المدارس والجامعة والبرلمان والسياسة، لكن الأرض كانت معلمتى الأولى، والأقسى، والأصدق، حفرت بداخلى مبادئ لا تتغير مهما علا الشأن؛ فابن «التراب» يعرف معنى الأصل، فالصبر بالنسبة لى أساس تكوينى..

تعلمت الصبر على الفقر وصعوبة المعيشة، والصبر على تحديات الطريق لشاب صغير لديه حلم أن يعيش حياة طموحة، لا يملك إلا التوكل على الله، وعزيمة، وأفكار، وجهد، والصبر على ضن الرزق حتى يأذن الله بالفرج، والأصعب من ذلك كله، الصبر على النجاح بعد رحلة من الألم والجهد والعمل.

لقد زرعت «بذرة الصبر» فى أرضى منذ طفولتى، ربما كانت الظروف هى المحراث الذى شق قلبى ليزرعها، لكن الله جعلها شجرة يقين، آمنت بمقولة الإمام على بن أبى طالب: «كُن كالجبل لا تحركه العواصف، وكالبحر لا تكدره الدلاء»، فما قيمة النجاح إذا كان يتزعزع بكلمة؟ وما قيمة الحق إذا كان يرتجف أمام باطل؟ لقد صدق الإمام حين قال: «الناسُ أعداءُ ما جهلوا»؛ فهم يهاجمون فيك ما عجزوا عن تحقيقه فى أنفسهم.

حتى التاريخ لم يكن يومًا رحيمًا بمن قرروا كسر القيود، التحديات ليست عقبات لتعطيلك، بل هى «فلتر إلهي» وغربال كونى، لا يبقى فيه إلا الأنقياء والأقوياء، فالعداء ليس دليلًا على فشلك، بل هو الاعتراف الصريح والوحيد من خصومك بأنك أحدثت فرقًا هزّ عروش سكونهم، وفى رسول الله سيد الخلق أسوة حسنة، القدوة المطلقة فى الصمود، اتهموه بالسحر والجنون والكذب، وهو الذى كان يُلقب بينهم بالصادق الأمين، لم يكن اتهامهم شكًا فى صدقه، بل محاولة يائسة لإطفاء نورٍ كشف سواد قلوبهم، ومع ذلك، لم يلن ولم يتراجع، بل واجه الدنيا بـ»عناد الحق»، حتى دانت له الأرض والقلوب.

النجاح هنا لم يكن فى فتح مكة فحسب، بل فى الوقوف كالطود العظيم ضد باطلٍ صوته مرتفع وجسده هش، وعلى ذات الدرب مشى نيلسون مانديلا، سبعة وعشرون عامًا خلف القضبان، ووصم بالإرهاب وحورب بالتحريض، كان يمكنه أن يشترى سلامًا زائفًا بتنازلٍ صغير، لكنه اختار «الطريق الوعر»؛ أن يكون على حق ضد نظام كامل،خرج من سجنه لا لينتقم، بل ليقود الأمة التى سجنته، مُثبتًا أن الصمود على المبدأ هو السلاح الذى لا يُقهر، ولُقب برجل السلام.

فتبسم يا صديقى فى وجه العاصفة، واعلم أنك لست وحدك، فالحق دائمًا يملك اليد العليا فى النهاية، أن تكون ناجحًا وصاحب حق يعنى أنك اخترت الأصعب فى هذه الحياة.

وتذكر أن الأنبياء والعظماء سلكوا هذا الطريق قبلك، النجاح هو أن تنام مرتاح الضمير، ويعلم الله أنك لم تكن يومًا لا ظالمًا ولا قاصدًا إلا الخير والنجاح، فكُن ابن أرضك، وامضِ بقلبٍ لا يرى إلا وجه الله، والله من ورائهم محيط!