محمود الدسوقي يكتب: الأحوال الشخصية.. أزمة صناعة التشريع

محمود الدسوقي
محمود الدسوقي


في منتصف فبراير 2021، أصدر رئيس مجلس الوزراء قرارًا بمشروع قانون لإصدار قانون موحد للأحوال الشخصية، وبمجرد نشره وإرساله إلى مجلس النواب ــ وقبل عرضه على لجنة الشئون الدستورية والتشريعية ــ قوبل بعاصفة من النقد والاعتراض على نصوصه، بصورة تُشبه إلى حد كبير ما يتعرض له المشروع الحالي الذي أرسلته الحكومة مؤخرًا إلى البرلمان، واضطرت لاحقًا إلى سحبه بعد ساعات من تقديمه.

 
هذه الحالة النقدية تكاد تكون ملازمة شعبيًا لكل مشروع قانون يتعلق بمسائل الأحوال الشخصية، غير أن مشروعيتها تتعاظم هذه المرة، بالنظر إلى أننا أمام أول قانون موحد لكافة مسائل شئون الأسرة في تاريخ التشريعات المصرية.


ومن ثم، يصبح لزامًا على مجلس النواب التروي في مناقشة المشروع، واحتواء مختلف الرؤى والاتجاهات عبر إطار منهجي للحوار المجتمعي، يضمن تحقيق أعلى معايير الجودة والكفاءة والفاعلية في صناعة التشريع، خاصة وأننا بصدد أحد القوانين المكملة للدستور، والذي لا تقل أهميته عن القوانين الأساسية كالقانون المدني أو العقوبات أو الإجراءات الجنائية.


فإتباع منهجية واضحة في إعداد التشريعات هو الضمان الحقيقي لتحقيق وظيفتها الاجتماعية، بصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف حول بعض نصوصها، ولمجلس النواب سوابق مهمة في هذا الشأن، لعل أبرزها الآلية التي اتبعها في إعداد مشروع قانون الإجراءات الجنائية خلال الفصل التشريعي السابق، من خلال تشكيل لجنة خاصة من داخل المجلس وخارجه، ومنحها الوقت الكافي لإنجاز عملها ومناقشة مختلف الرؤى المرتبطة به.


وهذا تحديدًا ما يحتاجه قانون الأسرة، وربما بدرجة أكبر، خاصة أن المذكرة الإيضاحية المرفقة بمشروع القانون لم تكن كافية لبيان فلسفة النصوص وأهدافها، أو لتوضيح أسباب اختيار الصياغات الواردة بمواد المشروع، كما أن الحكومة لم تُرفق الأعمال التحضيرية للجنة التي تولت إعداد مسودة القانون، رغم أهمية تلك الأعمال في تفسير النصوص المقترحة والكشف عن الأسس التي بُنيت عليها.
وتزداد أهمية ذلك بالنظر إلى أن اللجنة التي أعدت المشروع استغرقت ما يقارب أربع سنوات في أعمالها، اطلعت خلالها على عدد كبير من البيانات والدراسات، واستمعت إلى العديد من الآراء والتصورات، التي أسهمت بالضرورة في تكوين قناعتها النهائية وصياغاتها المقترحة.


ومن هنا، ينتقل العبء الأكبر إلى مجلس النواب، الذي يملك ــ دستوريًا ولائحيًا ــ الأدوات الكفيلة باستكمال متطلبات صناعة هذا التشريع، عبر تشكيل لجان متخصصة للدراسة والمراجعة وقياس الأثر التشريعي السابق واللاحق، والاستعانة بخبراء العلوم الإنسانية والاجتماعية، إلى جانب طلب البيانات والإحصاءات الرسمية اللازمة لفهم أسباب الظواهر والأزمات المرتبطة بمسائل الأحوال الشخصية.


فصدور قانون موحد للأحوال الشخصية يمثل حدثًا تشريعيًا تاريخيًا، وحلمًا قديمًا راود المشرع المصري منذ ديسمبر 1936، قبل أن تبدأ ملامحه الفعلية في التحقق في مايو 2026. وهي فرصة لتجميع الخبرات التشريعية والبرلمانية المصرية، من أجل معالجة أزمة ممتدة بدأت مع لائحة ترتيب المحاكم الشرعية الصادرة عام 1880، ولا تزال آثارها مستمرة حتى اليوم.


فالتوسع في تبني آليات الإصلاح التشريعي أثناء مناقشة قانون الأسرة، لا يمثل فقط ضمانة لجودة القانون، وإنما ضمانة لصدوره ذاته بصورة تحظى بالقبول المجتمعي، وتُطمئن المجتمع المصري إلى أننا أمام تشريع جديد يسعى فعليًا إلى تحقيق المصلحة العامة، ومعالجة أزمات الأسرة، التي هي أساس المجتمع ومحور استقراره وتقدمه.