إلى «سان فرانسيسكو» عام 1945، ذهبت مصر لتقييد سطوة القوى الكبرى بـ «أغلال العدالة»، وتمكنت من انتزاع ميثاق تاريخى يرهن السلام بمبادئ القانون لا النفوذ..
ثمانية عقود من الهيمنة الدبلوماسية، تحولت فيها الدولة المصرية من صانعة للقواعد إلى «مهندسة للنظام الدولى»؛ فاستحالت ممرات الأمم المتحدة ساحة لسطوة العقل المصرى، من مطرقة بطرس غالى التى ضبطت إيقاع العالم، إلى جيل 2026 الذى يقود مفاصل الثقافة والاقتصاد والأمن..
إنها «سيادة المعرفة» التى جعلت من القاهرة رقماً صعباً لا يكتمل نصاب القرار الدولى دون بصمتها، ولا تدار أزمات الكوكب بمعزل عن خبرات أبنائها.
عقول مصرية صاغت القواعد القانونية للنظام الدولى
تعد مشاركة مصر فى تأسيس منظمة الأمم المتحدة وصياغة ميثاقها علامة فارقة فى تاريخ دبلوماسيتها، حيث كانت من بين الدول الـ 51 المؤسسة التى وقعت على الميثاق فى مؤتمر سان فرانسيسكو عام 1945. ولم تكن هذه المشاركة مجرد حضور شرفى، بل كانت فاعلة ومؤثرة فى صياغة القواعد القانونية والسياسية التى تحكم النظام الدولى المعاصر.
إقرأيضاً| بسام راضي: دول الخليج لها أيادي بيضاء على المجتمع الدولي.. وندين تعرضها للهجوم
بدأ الاهتمام المصرى بالترتيبات الدولية قبل نهاية الحرب العالمية الثانية، حيث شكلت مصر لجنة قانونية تابعة لمجلس الوزراء فى ديسمبر 1944 للتحضير للنظام الدولى الجديد، ضمت قامات قانونية مثل الدكتور حامد سلطان ود.محمد حامد فهمى. وفى أبريل 1945، شاركت مصر فى مؤتمر سان فرانسيسكو بوفد رفيع المستوى برئاسة الدكتور محمد حسين هيكل باشا (رئيس مجلس الشيوخ فى ذلك الوقت)، وضم فى عضويته شخصيات بارزة مثل عبد الحميد بدوى باشا (وزير العدل) ومحمود فهمى النقراشى .
وقد أسهمت مصر بفاعلية فى اللجان الرئيسية للمؤتمر، خاصة اللجنة السياسية العامة واللجنة القانونية. وكان لمصر دور محورى فى صياغة المادة الأولى من الميثاق، حيث نجح الوفد المصرى فى إضافة عبارة «وفقاً لمبادئ العدل والقانون الدولى» إلى نص المادة المتعلقة بحل المنازعات الدولية، وذلك لضمان ألا تخضع تسوية النزاعات للاعتبارات السياسية للدول الكبرى فقط، بل تبنى على أسس قانونية عادلة.
كما طالبت مصر بضرورة تمثيل مناطق العالم المختلفة فى مجلس الأمن، واقترحت منح مقاعد دائمة للدول الكبرى فى المجلس الاقتصادى والاجتماعى لتعزيز دوره.
وكان لمصر دور مركزى فى «لجنة الحقوقيين» التى اجتمعت فى واشنطن فى أبريل 1945 لإعداد مسودة النظام الأساسى للمحكمة.
وقدمت مصر، بالاشتراك مع دول عربية وإسلامية، مذكرة تاريخية بخصوص المادة 9 من نظام المحكمة، طالبت فيها بتمثيل «النظم القانونية الرئيسية فى العالم»، مع التأكيد على أن النظام القانونى الإسلامى هو نظام أصيل ومستقل يجب أن يكون ممثلا فى تشكيل المحكمة.
إقرأيضاً| بالتعاون مع اليونيدو.. الزراعة تنفذ أول برنامج تدريبي لتعزيز استدامة القطن المصري
وتوج هذا الجهد بانتخاب قضاة مصريين فى المحكمة عبر تاريخها، كان أولهم عبد الحميد بدوى باشا الذى شغل منصب نائب رئيس المحكمة.
ولم يقتصر دور مصر على الميثاق التأسيسى، بل كانت رائدة فى صياغة أسس حقوق الإنسان دوليا، حيث اختيرت ضمن لجنة الثمانية عشر التى شكلتها الأمم المتحدة لصياغة الإعلان العالمى لحقوق الإنسان (1948)، ومثلها فى ذلك الوقت د. محمود عزمى . كما شاركت مصر بفاعلية فى مداولات العهود الدولية (العهد الدولى للحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية)، واللذين صدقت عليهما لاحقا فى عام 1982 لتصبح نصوصهما جزءا من التشريع الوطنى المصرى .
تتبنى مصر اليوم رؤية شاملة لتطوير المنظومة الأممية لمواكبة المتغيرات المعاصرة، وذلك استنادا إلى تاريخها كدولة مؤسسة..
وتشمل الرؤية عدة إجراءات أبرزها إصلاح مجلس الأمن، حيث تطالب مصر بتوسيع عضوية المجلس لتحقيق تمثيل جغرافى عادل، وتتمسك بالموقف الإفريقى الموحد (توافق إيزولوينى وإعلان سرت) للحصول على مقعدين دائمين لإفريقيا.. هذا بجانب دورها فى حفظ السلم والأمن، حيث تعد مصر اليوم سابع أكبر مساهم عالميا فى قوات حفظ السلام، وهو التزام عملى بالمبادئ التى شاركت فى صياغتها قبل ثمانية عقود..
إقرأيضاً| وزير الاستثمار يبحث مع منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية سبل تعزيز التنافسية
ولم تغفل مصر عن أهمية وضرورة التنمية المستدامة، حيث تشارك مصر بفاعلية فى تنفيذ «أجندة التنمية 2030» وتستضيف اليوم 38 مكتباً ووكالة تابعة للأمم المتحدة، مما يجعلها مركزا إقليميا رئيسيا للمنظمة الدولية.
«ساقية أبو شعرة» تغزو أسواق الدول العربية والأوروبية
منتجات عصرية تنافس المستورد.. وتفتح أبواب رزق لعشرات الأسر
وكالة المغاربة بالفيوم شاهد على العلاقة التاريخية مع دول المغرب العربى





