الجارديان: حرب إيران من أكثر الصراعات العبثية في التاريخ

دونالد ترامب
دونالد ترامب


كتبت – مي فرج الله 

هيمن الحديث عن الحرب على عطلة نهاية الأسبوع، إذ أصرّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أن إيران لم «تدفع ثمنًا باهظًا بما يكفي». وفي يوم الثلاثاء، نُفّذ «مشروع الحرية»، الذي وُصف بأنه «بادرة إنسانية» تهدف إلى السماح للسفن المحاصرة وطواقمها بمغادرة الخليج، لكنه كان يهدف أيضًا إلى إضعاف قبضة إيران على مضيق هرمز.

واستعرض جوليان بورجر  ، المحلل السياسي في صحيفة الغارديان البريطانية، تصريحات ترامب بشأن «عودة السلام»، مؤكدًا أن تقدمًا كبيرًا قد أُحرز وأن الأطراف باتت قريبة من «اتفاق كامل ونهائي».

ويقول بورجر: " تشترك هذه المقاربات الثلاث، التي طُرحت خلال ثلاثة أيام متتالية، في حقيقة واحدة؛ فجميعها محاولات للتعامل مع مجموعة من الوقائع الصعبة. فمن غير المرجح أن ينهار النظام الإيراني أو يتنازل عن حقه في تخصيب اليورانيوم، مهما بلغ حجم القصف الموجّه إليه ، كما أظهرت طهران قدرتها على إغلاق مضيق هرمز، في حين أن أي حصار كامل للخليج سيُلحق ضررًا بالاقتصاد الأمريكي بقدر ما يضر بإيران.

اقرأ أيضًا: وزير الخارجية يدعو لتكثيف الجهود لدعم مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية 

وتُشكّل هذه الحقائق مجتمعةً ما يشبه صندوقًا فولاذيًا وجدت إدارة ترامب نفسها محاصرة داخله، إلى حدّ كبير نتيجة سياساتها الخاصة. وتعكس التغييرات المتكررة في المواقف خلال الأيام الأخيرة حالة من التخبط والبحث عن مخرج لا يقود إلى الإذلال أو إلى حرب مفتوحة لا نهاية لها ومع ذلك، لا يزال من المبكر الجزم بأن ترامب قد وجد هذا المخرج ، فتهديده المتزامن بشن قصف «أشد كثافة وأعلى مستوى» إذا لم تقبل إيران بالشروط المطروحة، يكشف عن قلق واضح من احتمال فشل هذا المسار».

تفاصيل الاتفاق بين واشنطن وطهران 

قبل اندلاع الحرب، عرضت إيران وقف تخصيب اليورانيوم لمدة خمس سنوات، في حين طالبت الولايات المتحدة بتمديد المدة إلى عشرين عامًا. أما المقترح الجديد، فيشير إلى تسوية وسط تقضي بتجميد التخصيب لفترة تتراوح بين 12 و15 عامًا ، كما تضمّن العرض الإيراني، قبل الحرب، اتخاذ خطوات لمعالجة مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، الذي يُعد وقودًا محتملًا للأسلحة النووية، سواء عبر تخفيف درجة تخصيبه أو تصديره إلى الخارج، أو الجمع بين الخيارين. وتشير ملامح الإطار التفاوضي الجديد إلى ترجيح خيار التصدير، وربما حتى إلى الولايات المتحدة نفسها.

وبموجب الاتفاق المقترح، ستوافق إيران أيضًا على عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشكل دائم، وهو ما يُعد شرطًا أساسيًا لاستعادة ثقة المجتمع الدولي في التزام طهران بأي اتفاق جديد. وفي المقابل، سيتم الإفراج تدريجيًا عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة، إلى جانب رفع العقوبات على مراحل، وهو التنازل الذي لطالما انتقد ترامب الإدارات الأمريكية السابقة بسببه.

برنامج بالغ الطموح

يؤكد المحلل في حديثه أن البرنامج التفاوضي المطروح بالغ الطموح، إلا أن احتمالات انهياره لا تزال قائمة بقوة ،  فعلى الرغم من أن أياً من الطرفين لا يرغب في العودة إلى الحرب، فإن كليهما يبدو مقتنعًا بأن مزيدًا من التصعيد العسكري قد يمنحه موقعًا أفضل على طاولة المفاوضات، وهو ما يجعل فرص الوصول إلى اتفاق سلام دائم شديدة الهشاشة ومن المتوقع أيضًا أن تعارض إسرائيل أي تسوية لا تشمل برنامج إيران الصاروخي أو نفوذ وكلائها الإقليميين.

وفي أفضل السيناريوهات بالنسبة للولايات المتحدة، قد تُعد الشروط الجديدة أكثر تشددًا من تلك التي طُرحت خلال محادثات جنيف في 26 فبراير، أي قبل يومين فقط من اندلاع الحرب إثر الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المفاجئ ، فالاتفاق الجديد قد يفرض فترة أطول لتجميد التخصيب، مع ضمانات أوضح بشأن إخراج اليورانيوم عالي التخصيب من إيران.

ومع ذلك، يبقى السؤال مطروحًا: هل كان بالإمكان الوصول إلى هذه النتائج نفسها عبر جولات إضافية من التفاوض، من دون اللجوء إلى القصف والحرب؟ وفي نهاية المطاف، ينبغي تقييم أي اتفاق جديد مقارنةً بالاتفاق النووي متعدد الأطراف لعام 2015، الذي انسحب منه ترامب عام 2018. وبموجب ذلك الاتفاق، لم تكن إيران تمتلك يورانيوم عالي التخصيب، لكنها احتفظت ببرنامج نووي خاضع لرقابة صارمة وقيود دقيقة. وإذا أراد ترامب إعلان النصر السياسي، فقد يشير إلى أن اتفاق عام 2015 لم يكن يتضمن وقفًا طويل الأمد للتخصيب، وهو ما قد يوفره الاتفاق الجديد ، لكن أي مكاسب محتملة جاءت بثمن إنساني واقتصادي باهظ. فقد تجاوز عدد القتلى خمسة آلاف شخص، بينهم 120 طفلًا من تلاميذ المرحلة الابتدائية قُتلوا في اليوم الأول بمدينة مناب، فضلًا عن الخسائر البشرية في لبنان.

إلى جانب ذلك، هناك تداعيات عالمية غير مباشرة، اقتصادية وبيئية، قد تستغرق سنوات حتى تظهر آثارها الكاملة. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن نحو 32 مليون شخص قد ينزلقون إلى دائرة الفقر بسبب تداعيات الحرب، ولا سيما نتيجة اضطراب إمدادات الطاقة والأسمدة عالميًا.

وقد صرّح توم فليتشر، منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية،بأن ملياري دولار، أي ما يعادل 1.5 مليار جنيه إسترليني، تُنفق يوميًا على الحرب، كان يمكن أن تُسهم في إنقاذ حياة نحو 87 مليون شخص لو وُجهت إلى جهود الإغاثة الإنسانية بدلًا من العمليات العسكرية. 

ليختم المحلل السياسي حديثه قائلاً ، لايزال من الصعب تحديد ما إذا كانت حملة القصف المتواصل قد أضعفت النظام الإيراني أم ساهمت في إطالة عمره السياسي ، إلا أن المؤشرات الحالية توحي بأن الحرب عززت نفوذ المؤسسة العسكرية والتيارات المتشددة داخل إيران. ورغم الحديث عن اختراق محتمل في مسار التسوية، فإن حجم المجهولات لا يزال يفوق الحقائق المؤكدة، ما يجعل أي تقدم سياسي قائمًا على أرضية شديدة الهشاشة ومع ذلك، وحتى إذا توقفت الحرب ونجح ترامب في طرح ملامح خطة سلام، فإن هذا الصراع سيبقى، على الأرجح، واحدًا من أكثر الحروب عبثية وكلفة في التاريخ الحديث.