في زخم الحديث عن الأجيال، وتصنيفهم على حسب سنوات الميلاد من الجيل الصامت الى جيل الفا، يغيب عن المشهد جيل كامل عاش التحولات الكبرى، وتحمل أعباء كثيرة، إنه «جيل إكس»، ذلك الجيل الذي وُلد تقريباً من منتصف الستينيات إلى أوائل الثمانينيات، والذي يمكن وصفه بحق بأنه الجيل المظلوم.
نشأ جيل إكس في زمن لم تكن فيه الثورة التكنولوجية قد سيطرت على الحياة اليومية، لكنه لم يلبث أن وجد نفسه في قلب ثورة رقمية غيرت كل شيء، فقد عاش هذا الجيل طفولته بين البساطة والاعتماد على الذات، حيث كانت العلاقات الإنسانية مباشرة، والقيم الاجتماعية أكثر وضوحا، والتعليم تقليديا، لكنه اصطدم في شبابه بعالم جديد تحكمه السرعة والتكنولوجيا والمنافسة العنيفة.
هذا الجيل لم يحظ بالترف الذي عاشه الجيل الذى سبقه، ولا بالدعم الذي يعيشه الجيل الذى جاء بعده بل والذى يطالب بالمزيد، بل كان عليه أن يشق طريقه بنفسه، في ظل ظروف اقتصادية متقلبة، وتحديات سياسية واجتماعية متسارعة، فقد شهد جيل اكس فترات من الأزمات الاقتصادية، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع فرص العمل، مما جعله أكثر صلابة، لكنه في الوقت ذاته أكثر تحفظا وحذرا.
ولعل أبرز ما يميز جيل إكس هو قدرته على التكيف، فهو الجيل الذي تعلم استخدام الحاسب الألى بعد أن كان يعتمد على الملفات والاضابير، وانتقل من الرسائل المكتوبة على الأوراق إلى البريد الإلكتروني، ثم إلى وسائل التواصل الاجتماعى، ومع ذلك لم يكن يوما في صدارة المشهد، بل ظل دائما في المنتصف، بين جيلين أكثر حظا
ورغم هذا الدور المحوري، لم ينصف الإعلام جيل إكس، الذي ركز على الشباب أو على الأجيال الأكبر سنا، فتجاهل الإنجازات التى قام بها، مع تناسى دوره في بناء المؤسسات، وتربية الأجيال الجديدة، والحفاظ على توازن المجتمع في فترات الاضطراب.
أما في مصر، فقد لعب جيل إكس دورا محوريا في مراحل مفصلية من التاريخ، فقد شهد التحولات الاقتصادية الكبرى، وشارك في بناء قطاعات متعددة، كالتعليم والصناعة والإعلام، كما كان حلقة الوصل بين جيل الآباء المحافظين، وجيل الأبناء المنفتحين، فحمل على عاتقه مهمة الحفاظ على الهوية، والانفتاح على العالم، فكان عليه صنع التوازن بين نقيضين.
إن معاناة جيل اكس كانت نابعه من طبيعته، فهو جيل صبور، يتحمل ولا يشتكي، لا يسعى إلى جذب الانتباه، فكان يعمل في صمت، لا يطالب بحقوقه، لا يصنع لنفسه صخب إعلامى، ولذلك مر تأثيره الكبير دون أن يحظى بالتقدير الكافي.. لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها، أن جيل إكس هو العمود الفقري للمجتمع المعاصر، هو جيل الخبرة، والمسؤولية، والتوازن، حيث يتولى جيل اكس اليوم مواقع القيادة، ويقود المؤسسات، ويشكل عقل الدولة في كثير من المجالات.
إن جيل إكس يحتاج اليوم الاعتراف بدوره كذلك يجب إعادة قراءة هذا الدور، فهو ليس جسر للعبور بين زمانين، بل هو الجسر الذي عبرت عليه المجتمعات إلى عصرها الحديث، وإن كان ظُلم في التقدير، فإن بصمته ستظل واضحة في كل ما نعيشه اليوم .. جيل إكس هو من صنع التحول بصمت.

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







