كتبت: دينا الأدغم
في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية المرتبطة بالحرب الإيرانية، تعود العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا إلى واجهة النقاش الاستراتيجي داخل التحالف الغربي، حيث يبرز حلف شمال الأطلسي كمساحة اختبار حقيقية لمعادلة القوة والنفوذ.
التحليل الذي نشرته مجلة "The National Interest" الأمريكية المتخصصة في العلاقات الدولية، أشار إلى أن السياسات التي يتبناها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تكشف تناقضًا بين الخطاب السياسي العلني والممارسة الاستراتيجية الفعلية تجاه أوروبا، ما يجعل العلاقة بين الطرفين أبعد من مجرد شراكة تقليدية، لتتحول إلى عملية إعادة تعريف لشروط التحالف.
وما تزال أوروبا، التي تُظهر رغبة متزايدة في صياغة استقلالها الاستراتيجي، تصطدم بجدار صلب من الاعتماد على واشنطن، سواء في التسليح أو القيادة العسكرية أو إدارة الأزمات الدولية، وبين خطاب أمريكي يلوّح بالانسحاب أو تقليص الالتزامات، وواقع يؤكد استمرار الانتشار العسكري في القارة، يتضح أن ما يجري ليس فك ارتباط، بل إعادة هندسة لشروط العلاقة بما يضمن استمرار النفوذ الأمريكي.
المفارقة الأعمق تكمن في أن الولايات المتحدة، رغم انتقاداتها المتكررة لما تصفه بـ"الاعتماد الأوروبي"، لا تبدو مستعدة للتخلي عن أدوات نفوذها داخل القارة، فوجودها العسكري وقواعدها المنتشرة يمنحها قدرة مستمرة على التأثير في القرار الأوروبي، خصوصًا في الملفات الأمنية المرتبطة بالتصعيدات الدولية.
وفي المقابل، تواجه محاولات بناء استقلال أوروبي كامل تحديات بنيوية، أبرزها ضعف التكامل الدفاعي داخل القارة، وتباين أولويات الدول الأعضاء، إضافة إلى فجوة واضحة في القدرات الدفاعية والتكنولوجية مقارنة بالولايات المتحدة، ما يجعل مشروع "الاستقلال الاستراتيجي" أقرب إلى مسار طويل ومعقد.
التحليل أوضح أيضًا أن إدارة ترامب تبنّت خطابًا تصعيديًا تجاه الناتو، وصل إلى حد التهديد بإعادة النظر في الالتزامات الأمريكية داخل الحلف، بالتوازي مع تقليص جزئي للوجود العسكري، بما في ذلك سحب قوات من ألمانيا. غير أن واشنطن لا تزال تحتفظ بوجود عسكري واسع، وتقود الهيكل القيادي للحلف، وتعتمد على القواعد الأوروبية في عملياتها الاستراتيجية، وهو ما يعكس أن الانسحاب الكامل ليس خيارًا مطروحًا، بل ورقة ضغط لإعادة ضبط أدوار الحلفاء.
وفي هذا السياق، يقف الناتو أمام اختبار جديد يتجاوز قضية التمويل إلى جوهر فكرة "الأمن الجماعي"، حيث تتصاعد الدعوات الأوروبية لإعادة توزيع الأعباء الدفاعية، فيما تستخدم واشنطن سياسات "الضغط المشروط" لإبقاء زمام المبادرة بيدها.
وبين رغبة أوروبا في التحرر من التبعية، وواقع استراتيجي يفرض استمرار الارتباط، تظل واشنطن اللاعب الأكثر قدرة على ضبط إيقاع العلاقة.
القراءة الختامية للتحليل تؤكد أن العلاقة بين الولايات المتحدة وأوروبا تمر بمرحلة "إعادة تعريف هادئة"، حيث يتقاطع الخطاب السياسي التصعيدي مع واقع استراتيجي يقوم على اعتماد متبادل غير متكافئ. وبينما تسعى أوروبا إلى تعزيز استقلالها الدفاعي تدريجيًا، تواصل واشنطن إدارة هذه العملية بما يحافظ على مركزيتها داخل المنظومة الأمنية الغربية. وفي المحصلة، لا تبدو القطيعة مطروحة، لكن إعادة توزيع النفوذ داخل التحالف أصبحت مسألة وقت، عنوانها: "استقلال محدود… وهيمنة مرنة".

الولايات المتحدة تُعلن اتفاق إسرائيل ولبنان على وقف إطلاق نار
مجلس النواب الأمريكي يدعم قرارًا يحد من صلاحيات ترامب بشأن حرب إيران
أمير قطر وترامب يبحثان خفض التصعيد وأمن الملاحة في الشرق الأوسط







