من النفط إلى غلاء الأسعار والتضخم.. إيران تواجه تحديا اقتصاديا قاسيا جراء الحرب

إيران
إيران


مي فرج الله

 

قد لا تكون إيران تمر بأزمة حادة بالقدر الذي توقعه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلا أن اقتصادها يواجه تحديات بالغة الصعوبة ، إذ تتداخل عدة عوامل ضاغطة، من بينها التكلفة المرتفعة لأضرار الحرب، وارتفاع معدلات التضخم، وتراجع قيمة العملة، وزيادة معدلات البطالة، إلى جانب انخفاض عائدات النفط. 

وتقول صحيفة الجارديان البريطانية أن هذه الظروف تدفع النخبة السياسية إلى التساؤل حول مدى قدرتها على تبني موقف متشدد في التعامل مع المفاوضين الأمريكيين وتشير تقديرات متداولة في وسائل الإعلام الإيرانية إلى أن حجم الأضرار الاقتصادية الناتجة عن الهجمات الأمريكية والإسرائيلية يعادل نحو تسعة أضعاف الميزانية الإيرانية للعام الماضي ،  كما قدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن نحو 4.1 مليون إيراني إضافي قد ينزلقون إلى دائرة الفقر.

وفي المقابل، استند ترامب في توقعاته بحدوث أزمة حادة إلى احتمال نفاد المخزون النفطي الإيراني نتيجة الحصار البحري الأمريكي ، وفي 26 أبريل، صرّح بأن الآبار النفطية الإيرانية قد تنفجر ضمن عملية تدميرية "شديدة القوة"، متوقعًا أن تبدأ خلال ثلاثة أيام.
كان هذا التوقع قائمًا على اعتقاد بأن الحصار البحري الأمريكي، الذي بدأ في 13 أبريل، سيحول دون وصول ناقلات النفط الإيرانية إلى مضيق هرمز، ما يحرم النظام الإيراني من عائدات تصدير النفط التي لا تقل عن 175 مليون دولار (129 مليون جنيه إسترليني) يوميًا ، ومع احتجاز النفط داخل البلاد، يُتوقع أن تمتلئ سعة التخزين سريعًا، مما يضطر إيران إلى إغلاق الآبار، وهو إجراء قد يُلحق بها أضرارًا جسيمة يصعب إصلاحها.

وفي مقابلة مع قناة فوكس نيوز، قال دونالد ترامب: «عندما ينفجر، لا يمكنك أبدًا، مهما يكن، إعادة بنائه كما كان»، مضيفًا أن القدرة الإنتاجية قد تنخفض إلى نحو 50% من مستواها الحالي ، من جانبه، شبّه وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت القيادة الإيرانية بـ«فئران في مجاري الصرف الصحي»، معتبرًا أنها تجد صعوبة في استيعاب ما يحدث، وأضاف أن جزيرة خارك، مركز تصدير النفط الإيراني الرئيسي، «تقترب من طاقتها القصوى» ، كما صعّد ترامب الضغط على الصادرات إلى الصين بفرض عقوبات على شركات مرتبطة بمصافي النفط الصينية، وهو ما دفع وزارة التجارة الصينية إلى إصدار أمر قضائي مضاد.

ورغم أن إيران تنتج حاليًا كميات من النفط تفوق قدرتها على التصدير، فإن عددًا كافيًا من ناقلات النفط لا يزال قادرًا على اختراق الحصار البحري، في حين تُستخدم إجراءات تصحيحية مثل حرق الغازات لتفادي امتلاء مرافق التخزين وتشير تقديرات مستقلة، من بينها تقديرات مركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، إلى أن لدى إيران سعة تخزين تكفي لما يصل إلى ثلاثة أسابيع.


التضخم وغلاء الأسعار يضربان  الاقتصاد الإيراني 

ومع ذلك، يتواصل الضغط على العملة الإيرانية؛ إذ فقد التومان، العملة المستخدمة في التعاملات اليومية، نحو 22% من قيمته في السوق المفتوحة، ليصل إلى 190 ألف تومان مقابل الدولار، ويبلغ معدل التضخم الإجمالي 73.5%، بينما قفزت أسعار المواد الغذائية والمشروبات بنسبة 115%.

وأعلنت الحكومة الإيرانية أنها تدرس مضاعفة قيمة القسائم المقدمة للمواطنين، وهو إجراء قد يزيد من الضغوط التضخمية ، ويبلغ الحد الأدنى للأجور الشهرية أقل من 170 مليون ريال (نحو 92 دولارًا)، رغم زيادته بنحو 60% في مارس وفي المقابل، أصبحت السلع المستوردة، مثل السيارات وأجهزة آيفون، باهظة الثمن إلى حد كبير.

وفي سياق متصل، أفاد غلام حسين محمدي، نائب وزير العمل والضمان الاجتماعي، بأن أكثر من 23 ألف مصنع وشركة تضررت جراء الغارات الجوية الأمريكية–الإسرائيلية، ما أدى إلى فقدان نحو مليون وظيفة، وارتفاع معدل البطالة بالمقدار نفسه تقريبًا ، وكان العاملون في قطاع التجارة الرقمية من بين الأكثر تضررًا، في ظل القيود المفروضة على الإنترنت.

ورغم تأكيد وزير الاتصالات سيد ستار هاشمي مرارًا أن القيود الرقمية مؤقتة، فإنه لا يملك سلطة مباشرة لإجبار الأجهزة الأمنية على رفعها. وفي هذا السياق، قال رضا ألفت نسب، رئيس اتحاد الشركات الافتراضية، إن أكبر تراجع في المبيعات حدث في مارس، حيث فقدت الشركات موسمها التجاري الأهم، وبرزت مشكلة «عدم الربحية» بشكل واضح، مع استمرار انخفاض المبيعات لدى بعض الشركات الكبرى بنسبة تتراوح بين 40% و50%.

وأشار إلى أن هذه الشركات، رغم امتلاكها عشرات الملايين من المستخدمين، تواجه تراجعًا حادًا، ما ينذر بتداعيات أشد على الشركات الصغيرة والمتناهية الصغر ومن جانبه، حذّر الصحفي والمحلل السياسي أحمد زيد آبادي من أن غياب الإنترنت يقوّض الحياة الطبيعية والاستقرار الاجتماعي، مؤكدًا أن استمرار الوضع دون حل جذري قد يؤدي إلى تصاعد الاحتجاجات.

اقرأ أيضا: الرئيس الفرنسي: لن نشارك في الخطة الأمريكية بشأن مضيق هرمز

وعلى صعيد آخر، لم يحقق موسم الأمطار النتائج المرجوة، إذ لا تزال عشر محافظات تعاني من انخفاض معدلات الهطول، معظمها في المناطق المحيطة بسلسلة جبال البرز، بما في ذلك طهران وقم وأصفهان، كما دخلت منطقتا طهران والبرز عامهما السادس على التوالي من الجفاف.

وفي ظل هذه الأوضاع، يظل النقاش العام حول خيارات التفاوض محدودًا بسبب الرقابة المفروضة على الإعلام، وتعطل دور البرلمان، واستمرار القيود على الإنترنت، ما يقيّد ظهور وجهات نظر متعددة، ورغم الحديث عن انقسامات داخل فريق التفاوض الإيراني، فإن المعارضة العلنية للمحادثات لا تزال مقتصرة على أقلية برلمانية، مع بقاء الضغوط الاقتصادية والسياسية عاملًا مؤثرًا في المشهد العام.