إنها مصر

التضامن العربى.. هل دقت ساعة النهاية؟

كرم جبر
كرم جبر


أتمنى ألا تكون الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، ضربة موجعة تقضى على البقية الباقية من العمل العربى المشترك، الذى يعانى أساسا من الضعف والتفكك، ويئن تحت وطأة الازمات.
هذا ما تريده إسرائيل وتسعى إليه، وستكون أكثر سعادة إذا اختلفت دول الخليج فيما بينها، أو لو ألمح بعضها إلى الانسحاب من مجلس التعاون الخليجى أو جامعة الدول العربية، وإذا تمادت وسائل الإعلام العربية فى نشر ما يختلق أسباب الفرقة والتشرذم، فكلما تحقق ذلك كان من أهم مكاسب الحرب لصالحها.
ومهما تكن الانتقادات الموجهة إلى العمل العربى المشترك، فإن بقاءه أفضل من زواله، واللجوء إليه عند الحاجة أفضل من هدم ما تبقى منه، وفى أصعب الأزمات كان السعى إلى المظلة العربية حاميا وحصنا، وعلى الأقل كانت لنا قمة عربية تجمع الزعماء، حتى لو اتخذوا قرارات شكلية.
لكن الحرب الأخيرة جاءت شيطانية فى النوايا والأسباب والأهداف.
فقد كانت إسرائيل تحلم بضرب القدرات العسكرية الإيرانية منذ سنوات طويلة، وجاءتها الفرصة السانحة فى ولاية ترامب، الذى كسر رفض رؤساء أمريكا السابقين للتورط المباشر فى الحرب، وجاء بترسانته العسكرية متخبطا فى قراراته ومتضاربا فى تصريحاته.
وهى حرب شيطانية الأسباب، ولم تستهدف أبدا درء الخطر عن دول الخليج، بل ترمى إلى ترسيخ هيمنة إسرائيل على المنطقة، وتثبيت حلفها الأكثر شيطانية، المسمى «إبراهام»، الذى يقوم على جثث مجلس التعاون الخليجى والجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامى وغيرها، بذريعة أن إسرائيل ستكون حامية المنطقة ضد الخطر الإيرانى.
وساهمت إيران، بتصرفاتها الإجرامية، فى ترسيخ مفهوم «الدولة الأخطر»، من خلال مد أذرع الميليشيات المسلحة فى دول الجوار، خصوصا العراق واليمن ولبنان، وقرأت كثيرا عن أحلام «الهلال الشيعي» الذى تريده إحياءه بديلا لـ «الهلال الخصيب».
وما زالت الفرصة الأخيرة أمام إيران لتعيش فى أجواء طبيعية مع جيرانها، وأن تزيل كل أسباب القلق والتوتر وفى صدارتها النووى والصواريخ والمسيرات، وأن تترك الدول التى تخترقها وشأنها، خصوصا حزب الله الذى يجلب الدمار والحروب على لبنان منذ نشأته، وكانت خسائره على الشعب اللبنانى أضعاف خسائر إسرائيل.
وهى حرب شيطانية النتائج، وأخطرها على الإطلاق أنها جعلت السياسيين والمثقفين العرب يتشاجرون ويتبادلون الاتهامات، وكأنها «قراءة الفاتحة» على روح العمل العربى المشترك، بعد ذكر مساوئه، وتحميله مسئوليات هو بريء منها.
الوقوف على مآلات الأمور لم يعد خيارا بل ضرورة ملحة، وترك الفجوات تتسع دون مراجعة لا يورث إلا تعميقاً للجراح، وفى ظل التحديات الراهنة، يبرز تكاتف الأصوات العربية المخلصة كحائط صد، للتصدى لكل محاولات العبث بالنسيج العربى المشترك وإفشال مساعى التفكك.
قتامة المشهد الراهن تفرض استحضار أقصى درجات الحكمة، وتعقيدات المنطقة وتشابك أزماتها تقتضى تغليب العقل، كصمام أمان وحيد لمواجهة هذا المنعطف الخطير .