صانع الجلود الاستثنائى| منتجات أغرب الحيوانات من الفيوم إلى العالم

محمود رفعت حقق حلمه مع الجلود واستطاع اختراق الأسواق الدولية
محمود رفعت حقق حلمه مع الجلود واستطاع اختراق الأسواق الدولية


إنه يطارد حلمه كما يطارد الصياد الفريسة، ويصنع من الجلود تحفا فنية كما يصنع النحاتون تماثيلهم، أو كما يرسم الفنانون لوحاتهم، ليخرج لنا بمنتجات هى أكبر للإبداع الفنى، فتحت أمامه طرق النجاح ليس فى مصر وحدها بل فى الأسواق الدولية أيضا، الشاب محمود رفعت مصرى ابن قرية الإعلام التابعة لمركز الفيوم، صاحب الـ٢٦ عامًا، يجلس بين ماكينات وروائح الجلود، ينسج بخيوط الطموح قصة نجاح استثنائية بدأت كهواية وانطلقت إلى أسواق دولية.


محمود، الطالب بكلية اللغة العربية بالأزهر، قسم تاريخ وحضارة، لم يكن طريقه مفروشًا بالورود، بل صنع فرصته بيديه، قبل جائحة كورونا بعام، بدأت الفكرة تراوده، لكن التنفيذ الحقيقى جاء أثناء الجائحة، حين قرر أن يستثمر الإنترنت فى تعليم نفسه ذاتيًا، فتعلم أسرار صناعة الجلود، وبدأ يشق طريقًا مختلفًا.


لكن المفاجأة الكبرى لم تكن فى التصنيع، بل فى السوق، فمعظم زبائن محمود من الخارج. وكانت البداية مع دولة ليبيا عام 2021، حين نفذ طلبية تضم 280 ستراب ساعات، ثم توالت الطلبات من كندا وأستراليا والسعودية ولبنان ودول أخرى فى أمريكا الشمالية والجنوبية، وكلها تعاملات جملة.


ويتميز محمود باستخدام أنواع نادرة من الجلود، مثل جلود الأصالات والثعابين والزواحف، إلى جانب جلد التمساح، الذى يعد الأغلى والأندر، نظرًا لعدم وجود مزارع تماسيح فى مصر. ويصل سعر «وش التمساح بالعظم» إلى 8500 جنيه. كما يستخدم جلد أسماك البلطى فى تطعيم المنتجات الجلدية، ويصف «ثعبان البحر» بأنه من أغرب الخامات التى تعامل معها.


يقول محمود إن حياته العملية لم تبدأ فى الورشة، بل عرف العمل مبكرًا، اشتغل فى المطاعم، وعمل «كبابجى»، كما جرب مهنًا أخرى عديدة، لكن هواية تصنيع المحافظ والمنتجات الجلدية كانت دائمًا تشده إليها.


فى البداية، كان يصنع بعض القطع اليدوية ويهديها لأصدقائه، حتى بدأ المقربون يلفتون نظره إلى إمكانية تحويل الموهبة إلى مشروع حقيقى. وجاءت أول خطوة فارقة فى إبريل 2021، عندما نفذ أول طلبية بيع بالجملة بقيمة 3350 جنيها، لتبدأ رحلة الاحتراف.


على مدار ثلاث سنوات، عمل من منزله، يصنع أحزمة «استرابات» الساعات، والشنط الحريمى، والمحافظ الرجالى، والأحزمة.. فى ذلك الوقت، كان يعتمد على العمل اليدوى بالكامل، فكان إنتاج 10 كراتات يستغرق أسبوعًا أو عشرة أيام، أما اليوم، وبعد تطوير أدواته وشراء ماكينات متخصصة، أصبح بإمكانه إنتاج الكمية نفسها خلال ساعة أو ساعتين فقط.


ومنذ عامين، افتتح محمود ورشته الخاصة، التى تضم الآن ماكينتين ومكبسا، ثم توسع لاحقًا فى المعدات، ليصبح قادرًا على تصنيع معظم المنتجات الجلدية الطبيعية، باستثناء الأحزمة والجواكت.. ورغم هذا النجاح، ما زال محمود يواجه تحديات حقيقية، أبرزها نقص العمالة المدربة. ويؤكد أن ضغط الطلبات أكبر من عدد العاملين، إذ يعمل فى الورشة حاليًا أربعة شباب فقط، وهو بحاجة إلى مزيد من الأيدى العاملة ليستطيع التوسع.. ورغم تلقيه عروضًا متكررة للمشاركة فى معارض ومسابقات، فإنه يعتذر عنها دائمًا، لأن الوقت -كما يقول- ليس ملكه، فالتصنيع أولوية لا تحتمل التأجيل.


ولم تكن الدراسة بعيدة عن قصة الكفاح، فقد كان محمود الثالث على دفعته فى الثانوية الأزهرية، لكنه اضطر للتوقف فى السنة الثالثة الجامعية بسبب ضغط العمل، مؤكدا عزمه على استكمال ما تبقى من دراسته قريبًا.


ويختتم محمود رسالته للشباب بنصيحة صادقة «لازم كل شاب يجرب.. أنا اشتغلت شغلانات كتير، من الخراطة لبيع عصير القصب للمطاعم. طول ما أنت فى سن العشرين، اشتغل واتعلم، كل تجربة هتفيدك بعدين»..

هكذا، من قرية بسيطة فى الفيوم، استطاع شاب مصرى أن يحول الجلد الخام إلى منتجات تسافر للعالم، وأن يثبت أن الموهبة حين تقترن بالإصرار، تصبح مشروعًا يكتب صاحبه بيديه سيرة نجاح تستحق أن تروى.