سميحة شتا
جاءت الانتخابات المحلية الفلسطينية الأخيرة بوصفها حدثًا يتجاوز فى دلالاته حدود اختيار مجالس بلدية جديدة لإدارة خدمات المياه والكهرباء والطرق، لتتحول إلى اختبار سياسى واجتماعى يعكس طبيعة المزاج الفلسطينى فى مرحلة تتسم بقدر كبير من الضبابية والانقسام وغياب الأفق السياسى. ففى الوقت الذى حاولت فيه السلطة الفلسطينية تقديم الانتخابات باعتبارها خطوة إصلاحية تعيد الثقة بالمؤسسات المحلية وتمنح المواطنين فرصة للمشاركة فى إدارة شئونهم اليومية، بدت العملية الانتخابية نفسها كاشفة لحجم التآكل الذى أصاب الحياة السياسية الفلسطينية خلال السنوات الماضية، خصوصًا مع استمرار تعطيل الانتخابات التشريعية والرئاسية منذ عام 2006، واستمرار الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة، إضافة إلى الحرب والتوترات الأمنية المتواصلة..
وقد شهدت الضفة الغربية وقطاع غزة، مشاركة متفاوتة فى الانتخابات المحلية، حيث جرى التصويت فى بعض المناطق للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، بينما غابت مدن وبلديات رئيسية عن العملية بسبب ضعف الترشح أو العزوف الشعبى عن خوض المنافسة، ووفق ما أعلنته لجنة الانتخابات المركزية فى رام الله، فقد سعت السلطة إلى توسيع المشاركة الشعبية تحت شعار «نبقى»، فى محاولة لإضفاء بعد وطنى على الانتخابات وربطها بفكرة الصمود الفلسطينى فى مواجهة الاحتلال والأزمات الداخلية، وأكد المتحدث باِسم اللجنة فريد طعم الله، أن الانتخابات تمثل «إرادة الفلسطينيين فى البقاء على أرضهم وبناء مؤسساتهم»، إلا أن هذا الخطاب لم يخفِ حقيقة أن الانتخابات جرت فى ظل حالة من الإحباط الشعبى المتزايد تجاه الطبقة السياسية الفلسطينية.
أما فى قطاع غزة، فقد اكتسبت الانتخابات بُعدًا رمزيًا خاصًا، خصوصًا فى مدينة دير البلح التى اختيرت كنموذج لإجراء الاقتراع فى ظل واقع مُعَقَّد فرضته سنوات الحرب والدمار. فالمدينة التى نجت نسبيًا من العمليات العسكرية الواسعة، أصبحت ساحة لاختبار إمكانية تنظيم عملية انتخابية وسط بنية تحتية مُنهكة وأوضاع إنسانية متدهورة، واعترف مسئولو لجنة الانتخابات بأن العملية واجهت صعوبات لوجستية كبيرة، إذ لم يكن بالإمكان تنفيذ إجراءات التسجيل التقليدية أو التنسيق الكامل مع الأطراف المسيطرة على الأرض. ومع ذلك، مضت الانتخابات قدمًا فى رسالة أرادت السلطة من خلالها التأكيد أن المؤسسات المدنية لا تزال قادرة على العمل رغم الانهيار السياسى والأمنى.
لكن أهمية هذه الانتخابات لا تكمن فقط فى بُعدها الإدارى أو الخدمى، بل فى كونها كشفت حجم الفراغ السياسى الذى يعيشه الفلسطينيون، فالإصلاحات الانتخابية التى أقرها الرئيس محمود عباس، العام الماضى، والتى تضمنت السماح بالترشح الفردى بدلًا من القوائم الحزبية وخفض سن الترشح وزيادة تمثيل النساء، بدت ظاهريًا محاولة لتجديد الحياة السياسية، لكنها عمليًا عكست أزمة أعمق تتعلق بتراجع دور الفصائل التقليدية وفقدان الشارع ثقته بالعمل الحزبى، ففى كثير من المناطق غابت القوائم السياسية الكبرى، وظهر المرشحون بوصفهم أفرادًا أو ممثلين لعائلات ومجموعات محلية أكثر من كونهم ممثلين لمشاريع سياسية وطنية.
هذا التحول يعكس طبيعة المرحلة الحالية فى المجتمع الفلسطينى، حيث أصبحت الأولويات اليومية المرتبطة بالخدمات والمعيشة تتقدم على الخطابات السياسية الكبرى، فالمواطن الذى يُواجه أزمات اقتصادية متفاقمة وقيودًا أمنية وحالة من عدم الاستقرار، أصبح أكثر اهتمامًا بمَن يستطيع إصلاح شبكة المياه أو تعبيد الطرق أو توفير الكهرباء، بدلًا من النقاشات المتعلقة بالمفاوضات أو المصالحة الوطنية، وهكذا تحولت الانتخابات المحلية إلى مساحة لإدارة الشأن اليومى أكثر من كونها ساحة للصراع السياسى التقليدى بين الفصائل.
ومع ذلك، فإن غياب السياسة عن المشهد الانتخابى لا يعنى اختفاء تأثيرها بالكامل، فالعزوف الواضح عن المشاركة فى بعض المناطق، وغياب مدن رئيسية مثل رام الله ونابلس عن المنافسة بسبب نقص المرشحين، يعكسان حالة من اللامبالاة السياسية وفقدان الثقة بالمؤسسات العامة، كما أن استمرار الاحتلال الإسرائيلى وهيمنته على أجزاء واسعة من الضفة الغربية يضع حدودًا واضحة لقدرة المجالس المحلية على العمل بحرية، إذ تبقى هذه المجالس مقيدة بالإجراءات العسكرية والإدارية الإسرائيلية، ما يجعل دورها محصورًا فى إدارة الأزمات اليومية أكثر من تنفيذ مشاريع تنموية حقيقية.
أما حركة حماس، التى سيطرت على قطاع غزة منذ عام 2007 بعد فوزها فى الانتخابات التشريعية، فقد اختارت عدم الدفع بمرشحين رسميين فى هذه الانتخابات، رغم أن استطلاعات الرأى لا تزال تشير إلى احتفاظها بشعبية واسعة بالضفة وغزة، ويبدو أن الحركة فضَّلت البقاء خارج المشهد المباشر، سواء بسبب تعقيدات الوضع بالقطاع، أو بسبب طبيعة الترتيبات السياسية الجديدة التى يُجرى الحديث عنها دوليًا بشأن مستقبل إدارة غزة.
وفى هذا السياق، تحدث مسئولون أمميون، من بينهم نائب المنسق الخاص للأمم المتحدة لعملية السلام بالشرق الأوسط رامز ألكباروف، عن أهمية الانتخابات باعتبارها فرصة للفلسطينيين لممارسة حقوقهم الديمقراطية، إلا أن المجتمع الدولى بدا حذرًا فى التعامل مع هذه الانتخابات، خصوصًا فى غزة، حيث لا يزال مستقبل الحكم غير واضح.
وتأتى هذه الانتخابات أيضًا فى ظل ضغوط دولية متزايدة على السلطة الفلسطينية لإجراء إصلاحات سياسية وإدارية، فالداعمون الغربيون والعرب يطالبون منذ سنوات بتجديد المؤسسات الفلسطينية وتعزيز الشفافية والمساءلة، خاصة مع تصاعد الانتقادات الموجهة للسلطة بسبب الشيخوخة السياسية وغياب التداول الديمقراطى للسلطة، ومن هنا يمكن فهم تشجيع السلطة لإجراء الانتخابات المحلية باعتبارها محاولة لتقديم نفسها كشريك قادر على تنفيذ إصلاحات تدريجية، حتى وإن كانت هذه الإصلاحات لا تمس جوهر الأزمة السياسية المتعلقة بغياب الانتخابات الوطنية الشاملة.
وأظهرت الانتخابات المحلية الفلسطينية، مفارقة واضحة، فمن جهة، كشفت وجود رغبة لدى قطاعات من الفلسطينيين فى الحفاظ على الحد الأدنى من المشاركة المدنية وإدارة شئونهم المحلية رغم الظروف القاسية، ومن جهة أخرى عَرَّت حجم الأزمة السياسية التى يعيشها النظام الفلسطينى، فالانتخابات التى كان يفترض أن تعكس حيوية ديمقراطية تحولت إلى مؤشر على غياب السياسة نفسها، أو على الأقل تراجعها لصالح الحسابات المحلية والخدماتية واليومية، وبينما حاولت السلطة تقديم الاقتراع بوصفه دليلًا على صمود المؤسسات الفلسطينية، فإن الرسالة الأعمق التى أفرزتها صناديق الاقتراع، كانت أن الفلسطينيين يعيشون مرحلة فُقدان ثقة متزايدة بالنُخب السياسية التقليدية، وأن المجتمع أصبح يبحث عن إدارة للحياة اليومية أكثر مما يبحث عن شعارات سياسية كبرى لم تعد قادرة على تقديم حلول حقيقية.
هرمز على حافة الانفجار| واشنطن تشدد شروطها و»بنك أهداف» إسرائيلى يهدد البنية التحتية
روسيا - أوكرانيا| محاولات أمريكية لتنشيط المسار الدبلوماسى
أمريكا - إيران| مفاوضات تحت النار.. وثلاثة سيناريوهات للمستقبل






