القطاع.. بين تعثر التسوية وضغط الميدان

قطاع غزة
قطاع غزة


مــروى حـسـن

فى لحظة تبدو فيها المنطقة واقفة على حافة تحولات خطيرة، تظل قضية قطاع غزة حاضرة بثقلها السياسى والإنسانى، باعتبارها أحد أكثر الملفات تأثيرًا فى استقرار الشرق الأوسط.

ومع استمرار الحرب وتفاقم تداعياتها، يتصاعد الحديث عن خطة سلام تقودها إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، باعتبارها محاولة لإعادة ترتيب المشهد وفتح باب تسوية طال انتظارها. غير أن الطريق إلى هذه التسوية لا يبدو ممهدًا، فكل خطوة نحو التهدئة تقابلها عقبات ميدانية وسياسية وأمنية تجعل الخطة تواجه اختبارًا شديد القسوة. 

الخطة المطروحة تقوم فى جوهرها على وقف إطلاق النار، ثم تبادل الأسرى والمحتجزين، يلى ذلك إدخال مساعدات إنسانية واسعة، ثم الانتقال إلى ترتيبات سياسية وإدارية جديدة داخل غزة، تمهد لمرحلة إعادة الإعمار والاستقرار. لكن هذا المسار النظرى يصطدم منذ البداية بأزمة ثقة عميقة بين الأطراف المعنية.

فإسرائيل تنظر إلى أى اتفاق من زاوية أمنية صارمة، وتطالب بضمانات تمنع عودة القدرات العسكرية للفصائل الفلسطينية، بينما ترى حركة حماس أن أى اتفاق لا يتضمن وقفًا حقيقيًا للحرب وانسحابًا واضحًا ورفعًا للقيود المفروضة على القطاع لن يكون سوى هدنة مؤقتة قابلة للانهيار فى أى لحظة.

هذا الانعدام فى الثقة لا يمثل مجرد تفصيل تفاوضى، بل هو جوهر الأزمة كلها، لأن كل طرف يتعامل مع الآخر باعتباره خصمًا يستعد للجولة التالية أكثر من كونه شريكًا فى تسوية دائمة. لذلك تتعثر المباحثات عند كل نقطة تقريبًا، من مدة وقف إطلاق النار، إلى آليات الرقابة، إلى عدد الأسرى الذين سيُفرج عنهم، وصولًا إلى شكل الوجود العسكرى على الأرض.

ومن بين أكثر الملفات تعقيدًا، يبرز سؤال اليوم التالى للحرب: من سيدير غزة؟ هذا السؤال تحوّل إلى عقدة مركزية فى أى خطة سلام. هناك من يطرح عودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع، وهناك من يدعو إلى إدارة مدنية فلسطينية جديدة بدعم عربى ودولى، بينما ترفض أطراف إسرائيلية أى صيغة تمنح نفوذًا لحماس بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وفى المقابل، لا تبدو الساحة الفلسطينية موحدة بما يكفى لتمرير صيغة توافقية سريعة، ما يجعل مستقبل الحكم فى غزة معلقًا بين مشاريع متنافسة لا تجد نقطة التقاء واضحة.

ويزداد المشهد تعقيدًا مع استمرار المعركة الميدانية. فكلما توسعت العمليات العسكرية أو تغيرت خرائط السيطرة على الأرض، تصبح فرص التسوية أكثر صعوبة، لأن الوقائع الجديدة تفرض شروطًا إضافية وتدفع الأطراف إلى التشدد.

كما أن استمرار القتال يعمّق من الكارثة الإنسانية داخل القطاع، حيث يواجه السكان أوضاعًا قاسية من نقص الغذاء والمياه والرعاية الطبية، إلى جانب موجات نزوح متكررة وانهيار واسع للبنية التحتية. وفى مثل هذه الظروف، يصبح الحديث عن إعادة الإعمار أو الاستقرار السياسى مرتبطًا أولًا بوقف الحرب وفتح الممرات الإنسانية.


كما تواجه الخطة الأمريكية معضلة التمويل. فإعادة إعمار غزة تتطلب موارد مالية ضخمة، لكن كثيرًا من الدول المانحة لا ترغب فى ضخ أموال كبيرة من دون وجود ضمانات سياسية وأمنية واضحة تحول دون تكرار الحرب بعد سنوات قليلة. وهذا يعنى أن الأموال وحدها ليست كافية، بل يجب أن يسبقها اتفاق مستقر وهيكل إدارى قادر على إدارة عملية الإعمار بشفافية وكفاءة.


وفى الداخل الإسرائيلى، لا تبدو الصورة أقل تعقيدًا، إذ توجد انقسامات سياسية واضحة بين تيارات تدعو إلى استمرار العمليات العسكرية حتى تحقيق أهداف كاملة، وأخرى ترى أن الوقت حان لصفقة شاملة تعيد الأسرى وتوقف الاستنزاف العسكرى والسياسى. هذا التباين ينعكس على قدرة الحكومة الإسرائيلية على اتخاذ قرارات حاسمة، ويجعل أى تنازل فى المفاوضات محل جدل داخلى واسع.


وسط هذه المتاهة، يبرز الدور المصرى باعتباره الأكثر حضورًا واستمرارية. فـمصر تمتلك عوامل لا تتوافر لغيرها، فهى الجار المباشر للقطاع عبر معبر رفح، ولديها علاقات واتصالات ممتدة مع مختلف الأطراف، فضلًا عن خبرة تراكمت عبر سنوات طويلة من الوساطة فى الملف الفلسطينى. لذلك تتحرك القاهرة على أكثر من مسار فى وقت واحد، فتسعى إلى تثبيت التهدئة، وتسهيل إدخال المساعدات، وتقريب وجهات النظر بشأن تبادل الأسرى، وطرح تصورات لليوم التالى فى غزة، مع العمل على منع اتساع الصراع إلى جبهات إقليمية أخرى.


وتدرك مصر أن انهيار فرص التفاوض لن يعنى فقط استمرار الحرب، بل قد يقود إلى حالة أكثر خطورة من الفوضى والانفجار الإنسانى، وهو ما يفسر استمرار جهودها حتى فى أصعب المراحل.


وتراهن القاهرة على أن الحل الحقيقى لا يقتصر على وقف القتال، بل يتطلب مسارًا سياسيًا يضمن استقرارًا طويل الأمد، ويمنع عودة المواجهات لاحقًا. لذلك تتحرك دبلوماسيًا مع الأطراف العربية والدولية، وتسعى إلى تقريب وجهات النظر بشأن الإدارة المقبلة للقطاع، وتخفيف التوترات المرتبطة بملف السلاح والضمانات الأمنية.


لكن نجاح هذه الجهود يظل مرتبطًا بعدة عوامل، أهمها استعداد الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة، وتوافر ضمانات دولية حقيقية، وتوفير تمويل سريع لإعادة الإعمار، إضافة إلى وقف الإجراءات الميدانية التى تغير الواقع على الأرض قبل الوصول إلى اتفاق نهائى.. تبدو خطة سلام ترامب حتى الآن أقرب إلى إطار سياسى يبحث عن ظروف مناسبة لتنفيذه، أكثر من كونها اتفاقًا جاهزًا للنجاح. فالعوائق المتراكمة، من غياب الثقة إلى الخلاف على إدارة غزة، ومن استمرار القتال إلى أزمة التمويل، تجعل الطريق طويلًا وشائكًا. ومع ذلك، فإن استمرار التحرك المصرى والإقليمى يبقى نافذة الحل مفتوحة، ولو بقدر ضئيل، فى وقت تحتاج فيه غزة إلى تسوية حقيقية أكثر من أى وقت مضى.