فنجان قهوة

حكايات جميلة تستحق أن تُروى

يسرى الفخرانى
يسرى الفخرانى


هل جربت أن تفتح درجًا قديمًا فى بيت جِدتك؟

تصعد إلى سطح الدولاب الضخم لتتفقد صندوقًا خشبيًا غطاه الغبار ونساه الجميع حتى أنت!

تنفخ التراب من ألبوم صور وضع بحرص على مائدة الصالون؟

إن فعلت، فأنت تعرف تمامًا ما أحاول أن استعيده الآن من مشاعر.

بيوتنا القديمة، تلك التى ضحكنا فيها ذات مساء، وبكينا فيها ذات غروب، هى كنوز حقيقية لا تُقدّر بثمن. لم تكن فقط جدرانًا وسقفًا، بل كانت ذاكرة حيّة، تحفظ منّا ما ننساه نحن بأنفسنا.

فى تلك البيوت، كانت المناسبات لها طعم مختلف.

العيد يبدأ بصوت جدتى وهى تجهز الكعك، وتستعد لاستقبال الأحفاد.

ليلة رمضان التى لا تكتمل إلا بتجمع العائلة حول مائدة واحدة على رأسها جَد طيب الملامح يوزع أرغفة الخبز والدعوات ونأخذ منه الأمان والبركة.

صورة قديمة فوق المائدة تجمع ثلاثة أجيال، كلٌّ فيها يبتسم وكأن الزمن لن يغيّر شيئًا.

تمد يدك داخل درج من أدراج البيت، تجد كنزًا من نوع مختلف: جوابات كتبت بخط اليد، كلمات من القلب، رائحة عطر قديم ما زالت عالقة على الورق.

ستجد ساعة جيب، مفتاح لا تعرف لأى باب كان.

شريط فيديو كاسيت كُتب عليه «ليلة خطوبتنا» أو «سهرة العيد 1985». ربما تجد وردة جافة بين صفحات مصحف، أو صورة أبيض وأسود لطفل لا تعرفه لكنه يشبهك.

هذه الأشياء لم تكن «أغراضًا»، بل كانت شواهد على حياة مرّت، وحبّ عاش، وأيام نُقشت على جدران القلب.

الغريب أننا، حين غادرنا تلك البيوت، تركنا وراءنا قطعة من أرواحنا.

رحلنا إلى بيوت حديثة، أنيقة، تُدهشنا أنها تفقد الذاكرة أولًا بأول بمجرد مرور الأحداث مهما كانت حلوة أو مُرة.

صار كل شىء رقميًا فى ذاكرة وذكريات البيوت: الصور على التليفون، الذكريات فى سحابة إلكترونية، والجوابات تحوّلت إلى رسائل قصيرة تُمحى بعد قراءتها.

وتبقى البيوت القديمة لا تنسى ولا تُنسى.

ما زالت قادرة على استدعاء صوت الضحك فى أركانها، ووقع الخطى على دَرج السلم، وصوت أمّ تنادى أبناءها من الشرفة، رائحة الطبيخ فانيليا الكيك نسيم الربيع فى البلكونة التى تتسع لصخب الجميع، طَى ورق الجريدة وظِل فانوس رمضان وأغنية الفوازير وليالى أم كلثوم وحِنة شعر جدتى على ظهر السرير، اتكاءة جدى على مسند الكنبة وأثر أصابعه على زهر الطاولة التى لم تغادر طاولة أوضة الضيوف.

كل حجر هنا يروى حكاية، وكل ركن يحتفظ بسرّ بنكتة بدمعة بحب بفرحة. ربما لا نستطيع العودة للسكن هناك، لكن يمكننا أن نزورها، أن نفتح شبابيكها من حين لآخر، أن نلمس جدرانها، ونقول لها «لم ننسَكِ».

الكنز المفقود ليس ذهبًا ولا تحفًا.

إنه دفء العلاقات، عمق الذكريات، وصدق المشاعر.

إنه تلك اللحظة التى تفاجئك الدنيا فيها بمفاجأة سارة: جواب كُتب منذ خمسين عامًا، فتدمع عينك لأنك تذكرت تلك الأيام التى لم تعد معك. بنسخة قديمة من مجلة ميكى اشتريتها من مصروفك يبدو فيها بطوط فى حالة حيرة، بقلم حبر احتفظت به فى علبته القطيفة  بفيونكة حمراء كانت مُعلقة يوما فى شجرة الكريسماس، بنصف صورة تبدو فيها تضحك ببراءة وتتذكر بألم أنها كانت لقصة حب أولى انتهت بأن أخذت صاحبته صورتها واحتفظت أنت بما تبقى منك.

يُغادر البيوت أصحابها دون أرادتهم ويتركون بابا مُغلقا على أرواح طيبة، سكنت الأيام بحكايات جميلة تستحق أن تُروى مرة بعد مرة بعد مرة ….. .