في مساء هادئ، يجلس أب ينتظر مكالمة من ابنه الذي كبر وانشغل بحياته. تمر الأيام أحيانا دون تواصل، وأحياناً أخرى يأتي الاتصال دافئا، مليئا بالشوق، هنا يبدأ السؤال: لماذا يقترب بعض الأبناء من آبائهم كلما كبروا، بينما يبتعد آخرون رغم كل ما قدم لهم؟ الإجابة، كما يكشف علم النفس، لا تتعلق بحجم التضحيات، بل بشيء أعمق بكثير.
طوال سنوات الطفولة، يظن كثير من الآباء أنهم يكتبون في سجل غير مرئي: ساعات العمل، التعب، والتضحيات اليومية، هذا السجل لا يقال بصوت عال، لكنه يشعر به الأبناء، حتى وإن لم يفهموه تماما، يكبرون وهم يحملون هذا الإحساس، أحياناً كحب، وأحياناً كعبء خفي.
اقرأ أيضا| غموض يحيط بالوفاة.. لماذا تطالب أسرة ضياء العوضي بإعادة تشريح الجثمان؟
لكن المفارقة التي يشير إليها علماء النفس أن الأبناء لا يعودون بالضرورة لمن ضحّى أكثر، بل لمن جعلهم يشعرون بأنهم مقبولون كما هم،الآباء الذين يحافظون على علاقة قوية مع أبنائهم الكبار هم أولئك الذين لم يحوّلوا الحب إلى “حساب” أو دين يجب سداده.
تشير دراسات نفسية إلى أن استخدام الشعور بالذنب قد يدفع الأبناء للتواصل، لكنه لا يخلق قرباً حقيقياً، قد يجلس الابن مع والديه، لكنه يظل بعيداً عاطفياً. حضور بالجسد فقط، دون دفء حقيقي، الفرق واضح، حتى لو لم يقال.
وفي المقابل، تنمو العلاقات الصحية حين يمنح الأبناء مساحة ليكونوا أنفسهم،حين يشعر الطفل، ثم الشاب لاحقاً، أن صوته مسموع، وأن اختياراته محترمة، وأن وجوده ليس مشروطا برد الجميل، هذا النوع من العلاقات يستمر، لأنه قائم على الراحة لا الالتزام.
المشكلة ليست في التضحية نفسها، بل حين تتحول إلى أداة غير معلنة للمطالبة بالامتنان، حين يشعر الابن أن كل زيارة هي محاولة لسداد دين لا ينتهي، يصبح القرب عبئا، أما حين يكون الحب بسيطاً وواضحاً، بلا شروط، يصبح الرجوع إليه اختياراً طبيعيا.
في النهاية، لا يبحث الأبناء الكبار عن الكمال، بل عن الأمان، يعودون إلى الأماكن التي شعروا فيها بأنهم أنفسهم، لا نسخاً مما يراد لهم أن يكونوا، وبين الطاعة والثقة، يختارون دائماً من منحهم مساحة ليكونوا بشراً، لا مشروعاً يجب أن ينجح.

مشروبات الطاقة.. أضرار ومضاعفات خطيرة
«اللبن المتجمد أم القاطع».. أيهما أفضل للاستخدام
جددي في مطبخك.. طريقة تحضير فيليه اللحم بحشو الخضار







