الجامع الأزهر .. منارة علم ومتحف عمارة

الجامع‭ ‬الأزهر‭
الجامع‭ ‬الأزهر‭


حسن‭ ‬حافظ

يشغل‭ ‬الجامع‭ ‬الأزهر‭ ‬قلوب‭ ‬المسلمين،‭ ‬فلا‭ ‬يكاد‭ ‬مسلم‭ ‬فى‭ ‬مشارق‭ ‬الأرض‭ ‬ومغاربها‭ ‬لايعرف‭ ‬الأزهر‭ ‬وتأثيره‭ ‬العميق‭ ‬كقلعة‭ ‬علوم‭ ‬إسلامية،‭ ‬فالمكانة‭ ‬التى‭ ‬يحظى‭ ‬بها‭ ‬الأزهر‭ ‬كجامعة‭ ‬جاءت‭ ‬ترجمة‭ ‬لميراث‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬التراكم‭ ‬التاريخي،‭ ‬ليصبح‭ ‬صورة‭ ‬معروفة‭ ‬ومعنى‭ ‬باقيا‭ ‬وقيمة‭ ‬غير‭ ‬مجهولة‭. ‬لكن‭ ‬الجامع‭ ‬نفسه‭ ‬كمبنى‭ ‬له‭ ‬تاريخ‭ ‬عريق‭ ‬جعله‭ ‬تحفة‭ ‬من‭ ‬تحف‭ ‬العمارة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬وأحد‭ ‬أهم‭ ‬جوامع‭ ‬القاهرة‭ ‬وأكثرها‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬روحها‭ ‬وعن‭ ‬تطور‭ ‬العمارة‭ ‬الإسلامية‭ ‬فى‭ ‬مصر‭ ‬على‭ ‬مدار‭ ‬ألف‭ ‬سنة‭ ‬تقريبا،‭ ‬بداية‭ ‬من‭ ‬العصر‭ ‬الفاطمى‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭.‬

الأزهر‭ ‬أول‭ ‬جامع‭ ‬أسس‭ ‬بمدينة‭ ‬القاهرة‭ ‬المعزية،‭ ‬أنشأه‭ ‬القائد‭ ‬جوهر‭ ‬الصقلبى‭ ‬بأمر‭ ‬مولاه‭ ‬الخليفة‭ ‬المعز‭ ‬لدين‭ ‬الله‭ ‬الفاطمى،‭ ‬ووضع‭ ‬أساسه‭ ‬فى‭ ‬ليلة‭ ‬الأربعاء‭ ‬18‭ ‬شعبان‭ ‬358هـ‭/ ‬7‭ ‬يوليو‭ ‬969م،‭ ‬وانتهت‭ ‬الأعمال‭ ‬الإنشائية‭ ‬فى‭ ‬9‭ ‬رمضان‭ ‬361هـ،‭ ‬حيث‭ ‬أقيمت‭ ‬فيه‭ ‬أول‭ ‬صلاة‭ ‬جمعة‭ ‬بحضور‭ ‬جوهر‭ ‬القائد‭ ‬وكبار‭ ‬رجال‭ ‬الدولة‭ ‬والأعيان‭ ‬والعلماء،‭ ‬وافتتحه‭ ‬الخليفة‭ ‬المعز‭ ‬رسميا‭ ‬بعد‭ ‬قدومه‭ ‬من‭ ‬المغرب‭ ‬فى‭ ‬10‭ ‬رمضان‭ ‬362هـ‭/ ‬15‭ ‬يونيو‭ ‬973م،‭ ‬فأصبح‭ ‬الجامع‭ ‬الرسمى‭ ‬للخلافة‭ ‬الفاطمية‭. ‬هكذا‭ ‬نشأ‭ ‬الجامع‭ ‬ليكون‭ ‬مركز‭ ‬الصلاة‭ ‬الرئيسى‭ ‬فى‭ ‬عاصمة‭ ‬الخلفاء‭ ‬الفاطميين،‭ ‬ثم‭ ‬وضع‭ ‬الوزير‭ ‬يعقوب‭ ‬بن‭ ‬كلس‭ ‬بأمر‭ ‬الخليفة‭ ‬العزيز‭ ‬بالله‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الفقهاء‭ ‬الإسماعيلية‭ ‬لتدريس‭ ‬المذهب‭ ‬فى‭ ‬الجامع‭ ‬فبدأ‭ ‬الأزهر‭ ‬يأخذ‭ ‬صفة‭ ‬تعليمية‭ ‬بجوار‭ ‬كونه‭ ‬مقر‭ ‬صلوات‭.‬

ويقول‭ ‬حسن‭ ‬قاسم‭ ‬فى‭ ‬كتابه‭ ‬المزارات‭ ‬الإسلامية‭ ‬والآثار‭ ‬العربية‭ ‬فى‭ ‬مصر‭ ‬والقاهرة‭ ‬المعزية،‭ ‬إنه‭ ‬تم‭ ‬وضع‭ ‬التصميم‭ ‬الأصلى‭ ‬للجامع‭ ‬الأزهر‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬المهندس‭ ‬الحسين‭ ‬بن‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬الفارسى،‭ ‬الذى‭ ‬نزحت‭ ‬أسرته‭ ‬من‭ ‬فارس‭ ‬إلى‭ ‬بلاد‭ ‬المغرب‭ ‬منذ‭ ‬القرن‭ ‬الأول‭ ‬الهجرى،‭ ‬ووضع‭ ‬ابن‭ ‬عبد‭ ‬العزيز‭ ‬تصميم‭ ‬الأزهر‭ ‬على‭ ‬نفس‭ ‬نمط‭ ‬جوامع‭ ‬الفاطميين‭ ‬فى‭ ‬تونس،‭ ‬إذ‭ ‬تكون‭ ‬الجامع‭ ‬من‭ ‬أربعة‭ ‬أواوين‭ ‬بينها‭ ‬صحن‭ ‬مكشوف،‭ ‬أكبرها‭ ‬الإيوان‭ ‬الشرقى‭ ‬لأنه‭ ‬إيوان‭ ‬القبلة،‭ ‬وجعل‭ ‬به‭ ‬ثلاثة‭ ‬أروقة‭ ‬فى‭ ‬كل‭ ‬رواق‭ ‬22‭ ‬أسطوانة‭ ‬من‭ ‬رخام،‭ ‬وجعل‭ ‬للجامع‭ ‬ثلاثة‭ ‬أبواب‭.‬

وبقيت‭ ‬عدة‭ ‬آثار‭ ‬من‭ ‬عمل‭ ‬الفاطميين‭ ‬فى‭ ‬الجامع،‭ ‬أبرزها‭ ‬المحراب‭ ‬الكبير‭ ‬الذى‭ ‬ظل‭ ‬محتجبا‭ ‬خلف‭ ‬جدار‭ ‬وهمى‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬700‭ ‬عام،‭ ‬حتى‭ ‬اكتشفه‭ ‬العالم‭ ‬الأثرى‭ ‬الكبير‭ ‬حسن‭ ‬عبدالوهاب‭ ‬فى‭ ‬أكتوبر‭ ‬1933،‭ ‬وهناك‭ ‬قبة‭ ‬توجد‭ ‬فى‭ ‬قلب‭ ‬الجامع‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬عصر‭ ‬الخليفة‭ ‬الفاطمى‭ ‬الحافظ‭ ‬لدين‭ ‬الله،‭ ‬لكن‭ ‬بقية‭ ‬أجزاء‭ ‬الجامع‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬فترات‭ ‬تاريخية‭ ‬مختلفة‭.‬

وتم‭ ‬إجراء‭ ‬إصلاحات‭ ‬ضخمة‭ ‬فى‭ ‬الجامع‭ ‬فى‭ ‬عصر‭ ‬السلطان‭ ‬الأشرف‭ ‬قايتباى‭ ‬الذى‭ ‬بنى‭ ‬إحدى‭ ‬مآذن‭ ‬الجامع‭ ‬الرشيقة‭ ‬المميزة،‭ ‬كما‭ ‬أمر‭ ‬السلطان‭ ‬قانصوه‭ ‬الغورى‭ ‬فى‭ ‬سنة‭ ‬1510م،‭ ‬ببناء‭ ‬مئذنة‭ ‬للجامع‭ ‬فجاءت‭ ‬تلك‭ ‬التحفة‭ ‬المعمارية‭ ‬المميزة‭ ‬ذات‭ ‬الرأس‭ ‬المزدوج،‭ ‬والتى‭ ‬تعتبر‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬معالم‭ ‬الأزهر‭ ‬فى‭ ‬الأذهان‭. ‬وواصل‭ ‬الجامع‭ ‬الأزهر‭ ‬ازدهاره‭ ‬فى‭ ‬العصر‭ ‬العثمانى‭ ‬بعدما‭ ‬أصبح‭ ‬أهم‭ ‬الجوامع‭ ‬المصرية‭ ‬ومركز‭ ‬الدراسات‭ ‬الإسلامية،‭ ‬فتوالت‭ ‬أعمال‭ ‬الإصلاح‭ ‬والترميم،‭ ‬والتى‭ ‬كان‭ ‬أهمها‭ ‬بلا‭ ‬شك‭ ‬أعمال‭ ‬الأمير‭ ‬عبد‭ ‬الرحمن‭ ‬كتخُدا،‭ ‬سنة‭ ‬1167هـ‭/ ‬1753م،‭ ‬كما‭ ‬قرر‭ ‬زيادة‭ ‬مساحة‭ ‬الجامع‭ ‬بنحو‭ ‬الثلث،‭ ‬وهى‭ ‬الزيادة‭ ‬المعروفة‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬باسم‭ ‬الزيادة‭ ‬العثمانية،‭ ‬وألحق‭ ‬كتخدا‭ ‬بهذه‭ ‬الزيادة‭ ‬قبة‭ ‬ضريحية‭ ‬دفن‭ ‬بها،‭ ‬كما‭ ‬أنشأ‭ ‬باب‭ ‬الصعايدة‭ ‬ومئذنة‭ ‬للجامع‭ ‬وأنشأ‭ ‬الباب‭ ‬الشهير‭ ‬للجامع‭ ‬فى‭ ‬جهته‭ ‬الغربية‭ ‬والذى‭ ‬يعرف‭ ‬باسم‭ ‬باب‭ ‬المزينين‭.‬

اقرأ  أيضا: فتح باب المشاركة في «الرواق الأزهري» لحملة الماجستير والدكتورة