الشرقية: إسلام عبدالخالق
في قرى تبدو هادئة من الخارج، قد تتوارى خلف التفاصيل اليومية البسيطة بذور نزاعات تتفاقم دون أن يشعر بها أحد، حتى تنفجر في لحظة عنف تغير مصائر أسر كاملة.. ذاك ما حدث هناك في أبعد النقاط داخل مركز الحسينية، آخر مراكز محافظة الشرقية من الجهة الشمالية؛ إذ شهدت البلدة البسيطة واقعة مأساوية بدأت بخلاف عابر حول إلقاء القمامة، وانتهت بجريمة قتل هزت أرجاء المحافظة قاطبةً؛ كاشفة عن إمكانية أن يتحول سوء الفهم والغضب المكتوم، ويحوّلا نزاعًا بسيطًا إلى نهاية مأساوية لا رجعة فيها.
«بيقولوا الواد شعلان خلص على محمد ابن كيوان».. في عشية غريبة المعالم، كحالها، خرجت تلك الكلمات لتلون مساء الليلة بقتامة تُشبه طبيعة إهلاك النسل، وبين السطور والتفاصيل كانت سيرة ومسيرة الضحية يغلب عليها طابع الهدوء والأمل، فيما كان حب الشر كامنًا هناك على الخط الثاني، يصبغ هالة شديدة السواد حول القاتل سافك الدماء، الذي اعتاد حب التشاكل مع الجميع، وكأن خلاصه في عداوة الكل لا محبتهم.
خلاف عابر ولكن!
«محمد عطية تامر كيوان»، شاب تجاوزت سنواته عتبة الربيع الثاني بعد العشرين، يعيش وسط أسرته في بيت بسيط هناك وسط البلدة المعروفة بـ«قصاصين الشرق» على أطراف مركز الحسينية بأقصى الشمال الشرقي لمحافظة الشرقية، يحمل على عاتقه همومًا أكبر من سنه، خاصة أنه الابن الوحيد لثلاث شقيقات، ووالده يعاني من المرض، ما جعله أقرب إلى دور العائل الذي يحاول أن يساند أسرته في تفاصيل الحياة اليومية.
كان «كيوان» معروفًا بين أهل منطقته بأنه شاب هادئ، لا يسعى إلى المشكلات، ويقضي أغلب وقته بين العمل ومساعدة أسرته، دون أن يدخل في صراعات أو خلافات كبيرة، لكن في القرى كثيرًا ما تبدأ الخلافات من تفاصيل تبدو صغيرة، ككلمة عابرة أو تصرف يومي، قبل أن تتضخم بفعل التوتر وسوء التفاهم، وهو ما حدث بينه و«شعلان»، ذاك الشاب الذي يكبره بنحو عامين، العاطل المعروف بين الجميع بسلوكياته العنيفة.
في الأيام التي سبقت الواقعة، نشب خلاف بين الشابين بسبب مسألة تتعلق بإلقاء القمامة في أحد الأماكن القريبة من المنازل، الخلاف لم يكن في بدايته كبيرًا، لكنه ترك أثرًا في نفس «شعلان»، الذي لم ينسَ ما حدث، بل بدأ يفكر في الانتقام بطريقة تحمل في طياتها غضبًا مكتومًا، وبحسب ما كشفت عنه التحريات لاحقًا، فإن المتهم لم يتعامل مع الأمر باعتباره خلافًا عابرًا، بل قرر أن ينهيه بطريقته الخاصة.
في يوم الواقعة، خرج «محمد» من منزله كعادته، دون أن يعلم أن هناك من يترصده، وفي تلك الأثناء، كان المتهم قد اختار مكانًا بعيدًا نسبيًا عن أعين الناس، حيث تقل الحركة ويصعب التدخل السريع في حال وقوع أي اعتداء، ومكث هناك مترقبًا مرور المجني عليه، في مشهد يعكس نية مبيتة لم تكن وليدة اللحظة، فلم يكن اللقاء بينهما عفويًا، بل كان نتيجة ترصد واضح، واختيار دقيق للمكان والوقت.
وحين اقترب «محمد» من المكان، فوجئ بظهور المتهم أمامه، في مواجهة لم تستغرق وقتًا طويلًا، ولم يكن هناك مجال للنقاش أو التراجع؛ إذ بادر المتهم بإخراج سلاح كان بحوزته، عبارة عن قطعة حادة هي رقبة زجاجة، وانهال عليه بعدة طعنات متتالية.
الطعنات استهدفت منطقة الصدر بشكل مباشر، وهي منطقة قاتلة، ما يشير إلى نية واضحة في إزهاق الروح، وليس مجرد الاعتداء، وبينما حاول محمد الدفاع عن نفسه، كان الهجوم مباغتًا وعنيفًا، لم يترك له فرصة حقيقية للنجاة، فسقط الشاب على الأرض وسط الزراعات غارقًا في دمائه، بينما فرّ المتهم من المكان بعدما ظن أنه أنهى ما بدأه، ولم تمر دقائق طويلة حتى لاحظ بعض الأهالي وجود الشاب ملقى على الأرض، فهرعوا إليه في محاولة لإنقاذه.
حالة من الذعر سيطرت على من شاهدوا المشهد، خاصة مع رؤية الدماء التي غطت ملابسه، وصعوبة حالته الصحية؛ إذ نقل بسرعة إلى مستشفى دار الحكمة بمدينة فاقوس، في محاولة لإنقاذ حياته، حاول الأطباء التعامل مع الإصابات الخطيرة التي تعرض لها، لكن الطعنات كانت أعمق من أن يتم احتواؤها بسهولة، وبعد محاولات لإسعافه، لفظ محمد أنفاسه الأخيرة متأثرًا بإصاباته، لتنتهي بذلك حياته في لحظة عنف واحدة لم تكن تستحق تلك النهاية.
البلاغ
بلاغ الحادث وصل إلى الأجهزة الأمنية بمديرية أمن الشرقية؛ حيث تلقت إخطارًا من مركز شرطة الحسينية يفيد بوصول الشاب «محمد عطية تامر كيوان»، 22 عامًا، يقيم في قرية قصاصين الشرق التابعة لمركز الحسينية، إلى مستشفى دار الحكمة في بندر مدينة فاقوس، مصابًا بطعنات نافذة، ولفظ أنفاسه الأخيرة بعد وصوله إلى المستشفى متأثرًا بإصاباته.
وعلى الفور، انتقلت قوة من رجال المباحث إلى موقع الحادث، لبدء التحقيقات وكشف ملابسات الواقعة، وبالفحص والمعاينة، تبين أن الجريمة لم تكن عشوائية، بل نتيجة ترصد مسبق من المتهم المدعو «شعلان أ.ع»، 24 عامًا، عاطل ويقيم بذات الناحية، والذي اختار مكانًا بعيدًا عن التجمعات السكنية لتنفيذ جريمته، إذ أكدت التحريات أن سبب الخلاف يعود إلى مشادة سابقة بين الطرفين بسبب إلقاء القمامة، وهي مسألة بسيطة في ظاهرها، لكنها تحولت إلى دافع للقتل.
وبعد تقنين الإجراءات، وبناءً على إذن النيابة العامة، تمكنت الأجهزة الأمنية بمركز شرطة الحسينية، بقيادة رئيس المباحث ومعاونيه، من ضبط المتهم، فيما ضبط السلاح المستخدم في الجريمة، وتحفظ على المتهم، وتم اقتياده إلى جهة التحقيق، حيث تحرر المحضر رقم 4949 جنح مركز الحسينية لسنة 2026.
وبالعرض على النيابة العامة، أمرت بنقل جثمان المجني عليه إلى المشرحة، والتصريح بدفنه عقب الانتهاء من الصفة التشريحية لتحديد السبب الدقيق للوفاة، مع اتخاذ إجراءات أمنية مشددة خلال عملية الدفن، نظرًا لحالة الغضب التي سادت بين الأهالي.
كما كلفت النيابة رجال المباحث بسرعة إجراء التحريات حول الواقعة، وطلبت الاستماع إلى أقوال شهود العيان، وأفراد أسرة المجني عليه، للوقوف على كافة التفاصيل والظروف التي أحاطت بالجريمة.
داخل منزل الأسرة
الخبر انتشر سريعًا داخل القرية، وتحول إلى صدمة كبيرة، خاصة أن المجني عليه كان شابًا معروفًا بحسن سمعته، وأن الجريمة وقعت بسبب خلاف بسيط لا يرقى إلى أن ينتهي بإزهاق روح إنسان، لتترك الجريمة أثرها في نفوس الجميع وهم يتذكرون كيف انتهى الحال باثنين من أبناء القرية، أحدهما قتيلًا ترقد جثته في مقابر أسرته على أطراف البلدة، والثاني قاتل تلطخت يداه بالدماء بعدما تبدل حال قلبه ليحمل الضغينة والكراهية بدلًا من السلام وحب الخير.
وفي منزل الأسرة، كانت الصدمة مضاعفة، فالأم والأب المريض والشقيقات الثلاث وجدوا أنفسهم أمام فقدان السند الوحيد لهم؛ إذ تخطى دور «محمد»، فلم يكن مجرد ابن، بل كان عمود البيت الذي تعتمد عليه الأسرة في كثير من شئونها، ومع رحيله، ترك فراغًا كبيرًا لا يمكن تعويضه بسهولة، فيما تحولت الجنازة إلى مشهد حزين، حيث تجمع أهالي القرية لتوديع الشاب، وسط حالة من الحزن والغضب، وتساؤلات لا تنتهي عن كيف يمكن لخلاف بسيط أن يتحول إلى جريمة قتل بهذا الشكل.
اقرأ أيضا: دفع حياته ثمناً لمكالمة هاتفية بالشرقية
بأمر الأم.. الأبناء تحولوا إلى قتلة
ضبط 50 طنًا بودرة سامة داخل مصنع بالدقهلية كانت ستتحول لأطباق طعام
ضربات حاسمة من الداخلية.. مصادرة أطنان من السموم بقيمة 470 مليون جنيه







