لا تُحدّثني عن الفن أو الثقافة، وإياك أن تناقشني حول الصناعة، فهي موضوع جامد مثل الآلات.. والتعليم اِترُكه لقاعات الدرس والمحاضرات.. تلك سفاسف لا تستحق إهدار الوقت حولها.. الحياة فيها أمور أهم مما سبق! ولا تظن أني أقصد الصراعات والحروب والمؤامرات، التي تحبس أنفاس الجميع.
الآن، لا شيء أهم من (الساحرة المستديرة).. نعم، (كرة القدم) تلك اللعبة التي تعود معرفة الإنسان لها لأكثر من 2500 سنة قبل الميلاد، حين مارسها الصينيون، وكانوا يقدمون ولائم الطعام للفائز، بينما يتم جَلد الفريق المهزوم، وعرفناها في مصر منذ 300 سنة قبل الميلاد.
واليوم، صارت تُدِرُّ مئات الملايين من الجنيهات على لاعب واحد، يجري و«يبرطع» ويلعب في خصلات شعره، وله ملايين المعجبين، وشهرته تفوق علماء ووزراء وأدباء، وسائل الإعلام تفرد لأخباره مساحات كبيرة، وتأتي بالخبراء «العُقر» ليحللوا تحركاته وخطواته وأنفاسه، في الوقت الذي تغيب فيه وتتوارى أخبار العلم والأدب والابتكارات، وما شابهها من أمور «دمّها يُلطش»..وقديمًا، قال عمنا «ابن رجب» حفظه الله:
«صوّب برِجلك أيها اللعيب * فلكل عصر قسمة ونصيب.
مادامت الأرض التي نحيا بها * كرة فليس يخونك التصويب.
لا الأرض مكتبة تترا مراجعا * ومعاجما غني بها الترتيب.
كلا، ولا هي ورشة أو حاسب * أو معمل حلاه ميكروسكوب.
كلا، ولا هي عِمّة أو جِبّة * أو حرف T أو مرصد منصوب».
هذا السَّفَه الذي وصل لذروته عقب هزيمة الأهلي من بيراميدز بنتيجة (صفر- 3) أغرقت الشاشات – قنواتٍ ومواقعَ صحفية – فيديوهات لشتائم وسِباب – بكل أشكاله – لو حُرِّرت بها بلاغات، لوَاجهَ صاحبها تُهم السب والقذف وازدراء الأديان، كما ركزت وسائل إعلام أخرى على مَن تنهمر دموعهم حزنًا.
وغصَّت وسائل التواصل بتلاسن وتراشق وبذور لشياطين الفُرقة، يسمونها «تحفيلًا»، ينزلق إليها بَشَر كنا نظنهم عقلاء، كأننا في ساحة معركة حول الهُويّة والوطن؛ منهم مَن يفعل ذلك سفاهةً، وغيره يبحث «التريند الملعون»؛ ذلك الشيء الذي تعاطيناه بجرعات خطأ، فأصابنا في مقتل؛ أفرغ «رسالة الإعلام» من معظم مضمونها – إلا مَن رحم ربي – وحوَّلها لأرقام مشاهدات فقط.
أنا لا أرفض «الرياضة» أبدًا، فممارستُها ضرورةٌ حتميةٌ لسلامة العقل والروح والبدن، ولا لوم على تشجيع نادٍ بعينه، لكنّ الذي لا يستوعبه عاقل تلك الأرقام الضخمة التي تدفعها الأندية لأشخاص «يلعبون» - يمارسون لعبة - فيُحدِثون ما تُحدِثه مشاهد الثراء المستفز في قطاع الشباب، وينحرفون بأحلام الكثير منهم ، من مسارات العلم إلى طريق «اللعب».
وأعلم تمام العلم أن الرياضة أصبحت «صناعة» تُدرُّ العملاتِ الصعبةَ، لكن ذلك يكون بنماذج احترفت في الخارج – مثل صلاح ومرموش وغيرهم – لا تكون أبدًا بـ«التهريج» الذي نراه الآن؛ والذي تنتفخ به جيوب وحسابات «المُهرّجين» وتنتفخ بطون «المشاهدين والمشجعين».

اتفاق مبدئى!
فى غزة.. الوقت من دم
إيمان راشد تكتب: ميزان العدل






