قضية ورأى

أنسنة الإنسان.. أين هى؟

د. عادل مبروك
د. عادل مبروك


يبقى الأمل قائمًا فى أن تستيقظ الضمائر التى غابت، وأن يعود الإنسان إلى فطرته التى خلقه الله عليها

ماذا يَبقى للإنسان عندما يفقد إنسانيته؟ ذلك الإنسان الذى كرَّمه الله، وجعله خليفةً فى الأرض، ولكنَّنا نرى أن سيدنا آدم قد أغواه الشيطان بشجرة الخلد وزيَّنها له، فما كان منه إلا أن فقد كلَّ شىء، فأنزله الله من الجنة ليعيش على الأرض ويترك نعيمَها ليمارس شقاء الدنيا. تُرى، هل كان ذلك بداية الصراع الإنسانى بين الخير والشر، وبين الطاعة والمعصية، وبين الإنسانية والتجرُّد منها؟

وأيضًا، لولا أن الشيطان زيَّن لولدَى آدم، قابيل وهابيل، أن يقتل أحدهما الآخر طمعًا فى الزواج من خطيبة أخيه، ما سالت أول قطرة دم على وجه الأرض. تُرى ماذا فعل النمرود؟ وماذا فعل الطغيان بكلٍّ من فرعون وهامان وقارون؟ هل كان لدى هؤلاء أىُّ نوعٍ من الإنسانية؟ أمِ انتُزِعَتِ الإنسانيةُ من قلوبهم حتى أصبحوا لا يرون سوى أنفسهم وشهواتهم وسلطانهم؟

إنَّ أمثال قاتل أخيه، والنمرود، وفرعون، وهامان، وعلى شاكلتهم مَن قتلوا السادات الكرام؛ سيدنا عمر، وسيدنا عثمان، وسيدنا على، والسبطين الحسن والحسين رضى الله عنهم جميعًا، وكذلك مَن اغتالوا الرئيس الراحل أنور السادات، وقتلة المستشار هشام بركات، ومَن فجَّروا معهد الأورام، جميعهم نماذج لإنسانٍ تجرَّد من الرحمة، وانطفأت فى قلبه معانى الإنسانية. فما الدوافع التى تجعل الإنسان لا يفكر إلا فى القتل والفتك والإفساد فى الأرض؟ وما الحوافز التى تدفعه إلى ارتكاب الجرائم لتحقيق مصالح شخصية بحتة، أو اتباع معتقداتٍ واهية، تقوم على الطمع والتوسُّع والشهوات والتجبُّر فى الأرض؟

إنها دوافع تُشيع الظلم والفساد والفاحشة، وتجعل الإنسان عدوًّا لأخيه الإنسان. واليوم ليس ببعيدٍ عن الأمس، فما يحدث على أرض فلسطين يطرح تساؤلاتٍ موجعة: هل هناك أىُّ مبرر لقتل وإصابة الآلاف من الفلسطينيين على أرضهم؟ وهل كُتِبَ على هؤلاء العُزَّل أن يُقتَلوا بلا ذنب، أو يُشرَّدوا بلا جريمة؟ وهل يمكن لجزءٍ من الثانية أن نعتقد أن تلك الفئة الطاغية من الصهاينة المعتدين تحمل فى قلوبها ذرةً من الإنسانية؟ وكيف تقف بعض الدول الكبرى داعمةً لهذا الظلم، وهى لا تسعى إلا وراء مصالحها، غير عابئةٍ بآلام الشعوب الضعيفة وحقوقها؟

هل يملك هؤلاء أىَّ معنى للبشرية وهم يقتلون ويسعون فى الأرض فسادًا وإشاعةً للفاحشة والخراب؟ وهل أصبحت الإنسانية فى هذا العصر عملةً نادرة، لا مكان لها وسط صراعات القوة والمصالح؟ وهل ما نراه اليوم ما هو إلا نُذُرٌ تُنذر بانهيار القيم واقتراب لحظاتٍ يختلط فيها الحق بالباطل، والرحمة بالقسوة؟

ولو أن الإنسانية سادت، واختفت الأنانية والدونية وحب السيطرة، هل كان السلام سيعمُّ الأرض؟ أم أن السلام سيظل حلمًا بعيد المنال، تتغنَّى به الشعوب بينما تُحاصره الأطماع والحروب والكراهية؟

ورغم كل هذا الظلام الذى يملأ العالم، يبقى الأمل قائمًا فى أن تستيقظ الضمائر التى غابت، وأن يعود الإنسان إلى فطرته التى خلقه الله عليها؛ فطرة الرحمة والعدل والمحبة، فمهما بلغ الظلم من قوته، ومهما تجبَّر الطغاة وتكبَّر المفسدون، فإن نهاية الظلم حتمية، لأن سنَّة الله فى كونه أن الباطل إلى زوال، وأن الحقَّ مهما طال غيابه لابد أن ينتصر. فتجبَّرْ يا من تتجبَّر، وافسدْ يا من تُفسد، واظلِمْ يا من تظلم، فلابد أن يأتى يومٌ تنكسر فيه شوكة الظالم، ويذوق من الكأس نفسها التى سقى منها الأبرياء ألمًا وقهرًا. 

والتاريخ خير شاهد على ذلك؛ فمن النمرود إلى فرعون وهامان، ومن سفَّاكى الدماء فى كل عصر، لم يبقَ منهم سوى اللعنة وسوء الذكر، بينما بقيت سِيَرُ المظلومين والأنقياء نورًا يهتدى به الناس عبر الأزمان. ولذلك فإن الإنسانية ستظل هى النجاة الحقيقية للبشر، وسيظل العدل والسلام وعدًا إلهيًّا لا يموت، مهما حاول أهل الشر إطفاء نوره.